مصطفى صادق الرافعي

48

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

الأحرف السبعة وروى أهل الأثر حديثا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو قوله : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل منها ظهر وبطن ، ولكل حرف حد ، ولكل حدّ مطلع » « 1 » ثم اختلفوا في تأويله وفي تفسير هذه الأحرف ولكن الأكثرين على أنها سبع لغات من لغات قريش وألفافها من ظواهر مكة إلى قيس ، وقد سميناها آنفا ، وذلك قول لا تخرج عليه إلا بعض ألفاظ الحديث ويبقى سائرها غير متّجه . وقال بعض العلماء : إني تدبرت الوجوه التي تختلف بها لغات العرب فوجدتها على سبعة أنحاء لا تزيد ولا تنقص ، وبجميع ذلك نزل القرآن : الوجه الأول إبدال لفظ بلفظ : كالحوت بالسمك وبالعكس ، كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ قرأها ابن مسعود : كالصوف المنفوش ، والثاني إبدال حرف بحرف : كالتابوت والتابوة - وقد مرّ بك أنها كانت كتابة زيد بن ثابت حتى غيّرها عثمان « 2 » - والثالث تقديم وتأخير ، إما في الكلمة ، نحو : سلب زيد ثوبه وسلب ثوب زيد . وإما في الحرف ، نحو : أفلم ييأس وأفلم يأيس ؛ والرابع زيادة حرف أو نقصانه ، نحو : ماليه وسلطانيه ، فلا تك في مريّة ؛ والخامس اختلاف حركات البناء ، نحو فلا تحسبن ( بفتح السين وكسرها ) ، والسادس اختلاف الإعراب ، نحو : « ما هذا بشرا » ، وقرأ ابن مسعود بالرفع ، والسابع التفخيم والإمالة ، وهذا اختلاف في اللحن والتزيين لا في نفس اللغة ، والتفخيم أعلى وأشهر عند فصحاء العرب ، وقد مرّ معنى ذلك . قال : فهذه الوجوه السبعة التي بها اختلفت لغات العرب قد أنزل اللّه باختلافها القرآن متفرقا فيه ، ليعلم بذلك أن من زل عن ظاهر التلاوة بمثله أو من تعذّر عليه ترك عادته ( اللغوية ) فخرج إلى نحو مما قد نزل به فليس بملوم ولا معاقب عليه ؛ وكل هذا فيما إذا لم يختلف في المعاني . ا ه . وهو قول حسن يحمل به الحديث على معنى القراءات التي هي في الأصل فروق لغوية ، وإن كان بعض الأحرف قد قرئ بسبعة أوجه وبعشرة ، نحو : ملك يوم الدّين وو عبد الطّغوت . والذي عندنا في معنى الحديث : أن المراد بالأحرف اللغات التي تختلف بها

--> ( 1 ) وقد روي هذا الحديث بألفاظ أخرى . ( 2 ) علمت مما قدمناه السبب الذي من أجله جعلوا كتابة المصحف لزيد ، وقد كانوا يعلمون اختلاف المذاهب اللغوية في العرب ، فكانوا يعهدون بالكتابة والإملاء ، إلى الأفصح منهم خيفة أن ينزع المملي أو الكاتب إلى لحنه ولغة قومه فيحمل الناس على أحرف مختلفة . وهم إنما يخطون المصاحف ليحملوهم على حرف واحد ، ولهذا قال عمر : لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف . وقال عثمان : اجعلوا المملي من هذيل ، والكاتب من ثقيف .