مصطفى صادق الرافعي

49

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

لهجات العرب ، حتى يوسع على كل قوم أن يقرءوه بلحنهم ، وما كان العرب يفهمون من معنى الحرف في الكلام إلا اللغة « 1 » ، وإنما جعلها سبعة رمزا إلى ما ألفوه من معنى الكمال في هذا العدد ، وخاصة فيما يتعلق بالإلهيات : كالسماوات السبع ، والأرضين السبع ، والسبعة الأيام التي برئت فيها الخليقة وأبواب الجنة والجحيم ، ونحوها ، فهذه حدود تحتوي ما وراءها بالغا ما بلغ ؛ وهذا الرمز من ألطف المعاني وأدقها : إذ يجعل القرآن في لغته وتركيبه كأنه حدود وأبواب لكلام العرب كله « 2 » ، على أنه مع ذلك لا يبلغ منه شيء في المعارضة والخلاف ، وإن تمادّ العرب في ذلك إلى الغاية ، إذ هو لغات تنزل من أهلها منزلة السماوات ممن ينظرونها ، والأرضين ممن يضربون فيها ، وهلم إلى آخر هذا الباب ، فذلك قولهم بأفواههم ، وهذا قول اللّه الذي يكابرون فيه ويطمعون أن يسامتوه بأقوالهم ، وما لهم منه إلا أن يهتدوا به وينتفعون بما فيه كما ينتفعون بالسماء والأرض دون أن يكون لهم من أمرهما شيء .

--> ( 1 ) أما بعد الإسلام فخصوا لفظة الحرف من القرآن بكل كلمة تقرأ منه على الوجوه ، فيقولون هذا حرف ابن مسعود مثلا ، يعنون قراءته . ( 2 ) ألف الأديب الصفدي كتابا في عدد السبعة لكماله وشهرته سماه ( عين النبع على طرد السبع ) ، ومما قال فيه إن السبعة جمعت العدد كله ، لأن العدد أزواج وأفراد ، والأزواج فيها أول وثان ، والاثنان أول الأزواج ، والأربعة زوج ثان ، والثلاثة أول الأفراد ، والخمسة فرد ثان ، فإذا اجتمع الزوج الأول مع الفرد الثاني ، أو الفرد الأول مع الزوج الثاني كان سبعة ، وكذلك إذا أخذ الواحد الذي هو أصل العدد ، مع الستة التي هي عند الحكماء عدد تام : يكون منهما السبعة التي هي عدد كامل لأن الكمال درجة فوق التمام . وهذه الخاصة لا توجد في غير السبعة . ولذلك يفصلون بينها وبين الثمانية بالواو ، فيقولون : واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية وتسعة وعشرة الخ . ومن ذلك قوله تعالى في سورة الكهف : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ، وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ . ثم ساق أمثلة من استعمال الناس لفظ السبعة في كل ما يريدون به الكمال . قلنا : وهذا الذي اعتل به لإدخال الواو في قوله تعالى : وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ليس بشيء وإنما وجه به كلامه توجيها ، أما الصواب فإن الواو إنما كانت في هذه الجملة دون غيرها مما تقدمها ، لتؤذن بأن الذين قالوا إنهم سبعة كانوا على ثقة مما قالوه ولم يرجموا بالغيب ، ولهذا فصلوا بين القوم وبين كلبهم الذين ليس منهم إلا في العدد ؛ وارتفاع هذه الواو من الجملتين الأوليين جعلهما لا تصفان إلا الشك وجعل سياق الكلام يؤكد أن الحساب في الجملتين من الغلط ، وأن القول به لم يصدر على القطع والتحقيق ، ولذا قال ابن عباس : حين وقعت الواو انقطعت العدة ، أي لم يبق بعدها وجه للعدد وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم ، فتأمل كيف انتظمت هذه الواو معنى الآية كلها وكيف تكون البلاغة المعجزة التي تجعل في تركيب الكلام أسرارا كأسرار الخلق الحي ، ولا زعمات صاحبنا الصفدي . ونحن نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا لوضع الكتاب الذي نكمل به كتابنا هذا ! فنبسط فيه من أسرار الآي وإعجازها ما تطلع به الشمس لمن أبصر فيراها ، ولمن عمي فيحسها ! .