مصطفى صادق الرافعي

47

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وكذلك قوله : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ، وقوله : وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ فإن الأولى لغة قريش ؛ يقولون : أسريت ؛ وغيرهم من العرب يقولون : سريت ، وهذا باب من اللغة لم يقع إلينا مستقصى ؛ ولكن علماء الأدب ربما أشاروا إلى بعض ألفاظه في كتبهم ، كما تصيب من ذلك في الكامل للمبرد وغيره « 1 » . وبالوجوه التي أومأنا إليها تختلف القراءات على حسب الطرق التي تجيء منها ؛ فالناقلون عمن قرأ بلغة قبيلة ينقلون بتلك اللغة في الأكثر ، ولذا قيل : إن القراءات السبع متواترة فيما لم يكن من قبيل الأداء أما ما هو من قبيله كالمد والإمالة ونحوها فغير متواتر ، وهو الوجه المتقبل . ولقد أحصى علماء القراءة في كتبهم ما ورد من ألفاظ القرآن على أحد تلك الوجوه ، ومن قرأ بها كلها أو بعضها من الأئمة ، وهي عناية ليس أوفى منها ، ولا يعرف من مثلها لغيرهم ولغير أهل الحديث في أمة من الأمم : غير أنهم - عفا اللّه عنهم - أسقطوا من كتبهم كل ما يتعلق بالنسبة التاريخية في اللغات نفسها ، إلا ما لا حفل به ، وقد أشبعنا القول من هذا المعنى ومن الحسرة عليه في باب اللغة من التاريخ ، ولكن القول نهم لا يزال يشره فيسيل به لعاب القلم . . كلما توهم لذة الفائدة وطعمها !

--> ( 1 ) قد تتبعنا نسبة هذه اللغات وتقصينا في ذلك حتى ظفرنا بها . لأن هذا من أكبر ما نعني به كما بينا في موضعه من الجزء الأول من تاريخ آداب العرب . فتخفيف الهمزة لغة قريش وأهل الحجاز ، والتحقيق لغة من عداهم - وقيل : إن أهل مكة وحدهم يهمزون النبي ، والبرية ، والخابية ، والذرية ، ويخالفون في ذلك سائر العرب . وكانت العرب تمد عند الدعاء ، وعند الاستغاثة ، وعند المبالغة في نفي الشيء . والمد هو زيادة مط في حرف المد على المد الطبيعي فيه . والقصر : ترك تلك الزيادة ، وكلاهما اعتبار لا يختص به قوم دون قوم . والفتح لغة قريش ، والإمالة لغة بني سعد ، وقد سبق الكلام عنهما وعما بينهما في اختلاف لغات العرب من الجزء الأول من التاريخ . والإظهار لغة أهل الحجاز ، والإدغام لغة تميم ، ولعل إشباع الضمائر متخلف في بعض اللغات القريبة من اليمن عن الحميرية ، فإن ضمير المفرد المتصل فيها ينطق ( هو ) بالمد والإشباع فيقال في ( لغته ) : لغتهو . وضمير المثنى المتصل فيها ينطق ( همي ) فيقال في ( لغتهما ) : لغتهمي ، وضمير الجمع ( همو ) : فيقال : لغتهمو ، وهكذا . وثم وجه لغوي آخر ، وهو التفخيم ؛ أي تحريك أوساط الكلم بالضم والكسر في المواضع المختلف فيها دون إسكانها لأنه أشبع لها وأفخم ، ومن ذلك في القرآن : إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وأشباهه ، فإن هذا تفخيم وتثقيل ، قال أبو عبيدة : أهل الحجاز يفخمون الكلام كله إلا حرفا واحدا وهو ( عشرة ) فإنهم يجزمونه ، وأهل نجد يتركون التفخيم في الكلام إلا هذا الحرف ، فإنهم يقولون عشرة ( بكسر الشين ) . وما فسرناه من أمر التفخيم إنما هو على بعض معانيه اللغوية ، لأن له في الاصطلاح غير هذا المعنى .