مصطفى صادق الرافعي

43

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وإنما كانت القراءة تحقيقا ، أو حدرا ، أو تدويرا « 1 » فلما كانت المائة الثانية كان أول من قرأ بالتلحين والتطنين عبيد اللّه بن بكرة ، وكانت قراءته حزنا ليست على شيء من ألحان الغناء والحداء ، فورث ذلك عنه حفيده عبد اللّه بن عمر بن عبيد اللّه ، فهو الذي يقال له قراءة ابن عمر ، وأخذها عنه الإباضي ، ثم أخذ سعيد بن العلاف وأخوه عن الإباضي ، وصار سعيد رأس هذه القراءة في زمنه ، وعرفت به ، لأنه اتصل بالرشيد فأعجب بقراءته وكان يحظيه ويعطيه حتى عرف بين الناس بقارئ أمير المؤمنين « 2 » . وكان القراء بعده : كالهيثم ، وأبان ، وابن أعين ، وغيرهم ممن يقرءون في المجالس أو المساجد ، يدخلون في القراءة من ألحان الغناء والحداء والرهبانية ، فمنهم من كان يدسّ الشيء من ذلك دسا خفيا ، ومنهم من يجهر به حتى يسلخه ، فمن هذا قراءة الهيثم « أما السفينة فكانت لمساكين » فإنه كان يختلس المدّ اختلاسا فيقرؤها ( لمسكين ) ، وإنما سلخه من صوت الغناء كهينة اللحن في قول الشاعر « 3 » أما القطاة فإني سوف أنعتها * نعتا يوافق عندي بعض ( مفيها ) أي ما فيها ، وكان ابن أعين يدخل الشيء من ذلك ويخفيه ، حتى كان الترمذي محمد بن سعيد في المائة الثالثة ، وكان الخلفاء والأمراء يومئذ قد أولعوا بالغناء وافتنّوا فيه ، فقرأ محمد هذا على الأغاني المولدة المحدثة ، سلخها في القراءة بأعيانها . وقال صاحب جمال القراءة : إن أول ما غنّي به القرآن قراءة الهيثم « أما السفينة » كما تقدم ، فلعلّ ذلك أول ما ظهر منه . ولم يكن يعرف من مثل هذا شيء لعهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولا لعهد أصحابه وتابعيهم إلا ما رواه الترمذي في ( الشمائل ) واختلفوا في تفسيره ؛ فقد روي بإسناده عن عبد اللّه بن مغفل قال : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم على ناقة يوم الفتح ( فتح مكة ) وهو يقرأ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ قال : فقرأ ورجع وفسره ابن مغفل بقوله : آآآ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ، ثلاث مرات ولا خلاف بينهم في أن هذا الترجيع لم يكن ترجيع غناء « 4 » .

--> ( 1 ) التحقيق : إعطاء كل حرف حقه على مقتضى ما قرره العلماء مع ترتيل وتؤدة ؛ والحدر : إدراج القراءة وسرعتها مع مراعاة شروط الأداء الصحيحة ؛ والتدبر : التوسط بين التحقيق والحدر . ( 2 ) نرجح أن هذا كان أول تاريخ اتخاذ الأمراء وأهل السعة للقراء في بيوتهم كما هي سنّتهم إلى اليوم . ( 3 ) هذا البيت مطلع قصيدة سائرة رواها القالي في ذيل أماليه . وهي قصيدة كثر مدعوها فما يدرى لمن هي . . . قال : وكان أبو عبيدة يصححها لعليل ابن الحجاج الهجيمي ( بضم الهاء وفتح الجيم ) . ( 4 ) سنصف منطقه صلّى اللّه عليه وسلم عند الكلام على البلاغة النبوية .