مصطفى صادق الرافعي
44
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وكان في الصحابة والتابعين رضي اللّه عنهم من يحكم القراءة على أحسن وجوهها ويؤديها بأفصح مخرج وأسراه ، فكأنما يسمع منه القرآن غضا طربا ، لفصاحته وعذوبة منطقه وانتظام نبراته ، وهو لحن اللغة نفسها في طبيعتها لا لحن القراءة في الصناعة ، على أن كثيرا من العرب كانوا يقرءون القرآن ولا يعفون ألسنتهم مما اعتادته في هيئة إنشاد الشعر ، مما لا يحل بالأداء ولكنه يعطي القراءة شبها من الإنشاد قريبا ، لتمكّن ذلك منهم وانطباع الأوزان في الفطرة ، حتى قيل في بعضهم : إنه يقرأ القرآن كأنه رجز الأعراب . وهذا عندنا هو الأصل فيما فشا بعد ذلك من الخروج عن هيئة الإنشاد إلى هيئة التلحين ، وخاصة بعد أن ابتدع الزنادقة في إنشاد الشعر هذا النوع الذي يسمونه التغيير ، ولم يكن معروفا من إنشاد الشعراء قبل ذلك « 1 » وهو أنهم يتناشدون الشعر بالألحان فيطربون ويرقصون ويرهجون ؛ ويقال لمن يفعلون ذلك : المغبرة « 2 » . وعن الشافعي رحمه اللّه ، أرى الزنادقة وضعوا هذا التغيير ليصدوا الناس عن ذكر اللّه وقراءة القرآن . وبالجملة فإن التعبد بفهم معاني القرآن في وزن التعبد بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقد عد العلماء القراءة بغير هذا التجويد لحنا خفيا ، لأن المختص بمعرفته وتمييزه هم أهل القراءة الذين تلقوه من أفواه العلماء ، وضبطوه من ألفاظ أئمة أهل الأداء . لغة القرآن الأصل فيمن نزل القرآن بلغتهم ، قريش ، وقد سلف لنا في مبحث اللغة « 3 » كلام في معنى الإصلاح الذي خلصت به لغتهم إلى التهذيب ، وكيف واروا بينهم في لغات العرب ممن كان يجتمع إليهم من الحجيج أو ينزل بهم من العرب في كل موسم ومتسوّق « وكان طبيعيا أن يكون القرآن بلغة قريش ، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قريشي ، ثم ليكون هذا الكلام زعيم اللغات كلها كما استمازت قريش من العرب بجوار البيت ، وسقاية الحاج ، وعمارة المسجد الحرام ، وغيرها من خصائصهم ؛ وقد ألف العرب أمرهم ذلك واحتملوا عليه وأفردوهم به ، فلأن يألفوا مثله في كلام اللّه أولى . وهذه حكمة بالغة في سياسة أولئك الجفاة وتألفهم وضمّ نشرهم ، فإن هذا القرآن
--> ( 1 ) سنصف القول في كيفية إنشاد الشعراء وهيئة الإنشاد . وذلك في باب الشعر من تاريخ آداب العرب . ( 2 ) هذا هو عين ما يفعله بعض المتصوفين إلى اليوم حين ينشدون أو يتناشدون وذلك هو أصله ولا ريب . ( 3 ) الجزء الأول من تاريخ آداب العرب .