مصطفى صادق الرافعي
34
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
والأحداث التي استفاضت ، والانشقاق الذي ارفضت به عصا الإسلام - بأقل شأنا ولا أضعف خطرا من هذا كله ومثله معه من ضروب الأقاويل ؛ حتى لا يقتحم متجرئ ولا يستهدف مفتر ولا يبالغ مبطل ولا ينحرف متأول ، وحتى لا يروى من أشباه ذلك دقيق أو جليل ؛ وإنما قياس الباطل بالعلم الحق ، وقياس الظن باليقين الثقة ، وأنت تعلم أن كل ما رووه لم يأت من قبل الإجماع ، وليس له من هذه الحجة مادة ولا قوة ، ولو أن الأمر كان إلى الرأي والنظر لقلنا : لعله ولعلنا ، ولكنها الرواية وملاكها ، والأدلة واشتراكها وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ . القراءة وطرق الأداء وهذا الفصل مما نتأدّى به إلى الكلام في لغة القرآن ، فهو سبيلنا إليها في نسق التأليف ، إذ القراءة والأداء أمران يتعلقان باللفظ ويبنيان على وجوه اللغة التي قام بها . وليس من همّنا فيما نأتي به إلا نقضي حق التاريخ اللغوي ، منصرفين ما وسعنا الانصراف عن الجهة الفنية التي هي جانب من علمي القراءات والتجويد ، فإن الكلام في هذه الجهة يتسع ، وهو غير ما نحن فيه ، وما زالت الجهة الفنية من كل علم هي فرع من أصله في التاريخ . نزل القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بأفصح ما تسمو إليه لغة العرب في خصائصها العجيبة وما تقوّم به ، مما هو السبب في جزالتها ودقة أوضاعها وإحكام نظمها واجتماعها من ذلك على تأليف صوتيّ يكاد يكون موسيقيا محضا ، في التركيب ، والتناسب بين أجراس الحروف والملاءمة بين طبيعة المعنى وطبيعة الصوت الذي يؤديه ، كما بيناه في بابه من الجزء الأول « 1 » فكان مما لا بدّ منه بالضرورة أن يكون القرآن أملك بهذه الصفات كلها ، وأن يكون ذلك التأليف أظهر الوجوه التي نزل عليها ، ثم إن تتعدد فيه مناحي هذا التأليف تعددا يكافئ الفروع اللسانية التي سبقت بها فطرة اللغة في العرب ، حتى يستطيع كلّ عربي أو يوقّع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطريّ ولهجة قومه ، توقيعا يطلق من نفسه الأصوات الموسيقية التي يشيع بها الطرب في هذه النفس ، بما يسمونه في لغة العرب بيانا وفصاحة . وهو في لغة الحقيقة الموسيقى اللغوية . وإذا تم هذا النظم للقرآن مع بقاء الإعجاز الذي تحدّى به ، ومع اليأس من معارضته ، على ما يكون في نظمه من تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات بحسب ما يلائم تلك الأحوال في مناطق العرب ، فقد تمّ له التمام كله ، وصار إعجازه
--> ( 1 ) تاريخ آداب العرب .