مصطفى صادق الرافعي
35
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
إعجازا للفطرة اللغوية في نفسها حيث كانت وكيف ظهرت ومهما يكن من أمرها : ومتى كان العجز فطريا فقد ثبت بطبيعته ، وإن لجّ فيه الناس جميعا ، لأنه شيء في تلك الفطرة يفهم منه صريحا ثم لا تنكر هي موضعه منها وموقعه وإن كابرت فيه الألفاظ وبالغت الأهواء في جحده والانتفاء منه مراء ومغالبة . والطبيعة قد توجد في مفردات لغتها مترادفات ، بحيث يكون الشيئان لمعنى واحد ، ولكن لا توجد فيها الأضداد بحال من الأحوال ، فلا يكون الشيء الطبيعي محتملا بصورته الواحدة لأن يكون إقرارا وإنكارا معا ، ومن ثم لا يستقيم للعرب أن يعارضوا القرآن ، إذ كان مأتي العجز من فطرتهم اللغوية ، ولا يتوهم ذلك وإن انتشرت لهم في الخلاف كل قالة « 1 » . ذلك فيما ترى هو السبب الأول الذي من أجله اختلفت بعض ألفاظ القرآن في قراءتها وأدائها اختلافا صح جميعه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وصحت قراءته ؛ وهو كان أعلم العرب بوجوه لغتها ، كما سيأتي في موضعه ؛ إذ لا وجه عندنا للاختلاف الصحيح إلا هذا ، فإن القرآن لو نزل على لفظ واحد ما كان بضائره شيئا وهو ما هو إحكاما وإبداعا ، فهذه واحدة . وحكمة أخرى ، وهي تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين لم يكن حفظ الشرائع مما عرفوه فضلا عن أن يكون مما ألقوه . وثالثة تلحق بمعاني الإعجاز ، وهي أن تكون الألفاظ في اختلاف بعض صورها مما يتهيأ معه استنباط حكم أو تحقيق معنى من معاني الشريعة ، ولذا كانت القراءات من حجة الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد ، وهذا المعنى مما انفرد به القرآن الكريم ثم هو مما لا يستطيعه لغويّ أو بياني في تصوير خيال فضلا عن تقرير شريعة . ومن أعجب ما رأيناه في إعجاز القرآن وإحكام نظمه ، أنك تحسب ألفاظه هي التي تنقاد لمعانيه . ثم تتعرّف في ذلك وتتغلغل فيه فتنتهي إلى أن معانيه منقادة لألفاظه ، ثم تحسب العكس وتتعرفه متثبّتا فتصير منه إلى عكس ما حسبت وما إن تزال مترددا على منازعة الجهتين كلتيهما ، حتى تردّه إلى اللّه الذي خلق في العرب فطرة اللغة ، ثم أخرج من هذه اللغة ما أعجز تلك الفطرة . لأن ذلك التوالي بين الألفاظ ومعانيها . وبين المعاني وألفاظها ، مما لا يعرف مثله إلا في الصفات الروحية العالية . إذ تتجاذب روحان قد ألفت بينهما حكمة اللّه فركّبتهما تركيبا مزجيا بحيث لا يجري حكم في هذا التجاذب على إحداهما حتى يشملها جميعا .
--> ( 1 ) القالة والمقالة بمعنى واحد .