مصطفى صادق الرافعي
33
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
تلاوته على قلة ذلك إن صح . لأنه يكون وحيا ، وليس كل وحي بقرآن ، على أن ما ورد من ذلك ورد معه اضطرابهم فيه وضعف وزنه في الرواية ، وأكبر ظنّا أنها روايات متأخرة من محدثات الأمور ، وأن في هذه المحدثات لما هو أشد منها وأجدى بشؤمه . ولو كان من تلك شيء في العهد الأول لرويت معها أقوال أخرى للأئمة الأثبات الذين كان إليهم المفزع من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهم كانوا يومئذ متوافرين ، وكلهم مقرن لذلك قوي عليه ؛ وكانوا يعلمون أن المراء في القرآن كفر وردّة ، وإن إنكار بعضه . كإنكاره جملة ، وإن أجمعوا على ما في مصحف عثمان وأعطوه بذل ألسنتهم في الشهادة ، أي قوتها ، وما استطاعت من تصديق . ونحن من جهتنا نمنع كل المنع ، ولا نعبأ أن يقال إنه ذهب من القرآن شيء ، وإن تأوّلوا لذلك وتمحلوا ، وإن أسندوا الرواية إلى جبريل وميكائيل ونعتد ذلك السّوأة الصلعاء التي لا يرحضها من جاء بها ولا يغسلها عن رأسه بعد قول اللّه : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ أفترى باطلهم جاءه من فوقه إذن ؟ . . . ولا يتوهمن أحد أن نسبة بعض القول إلى الصحابة نص في أن ذلك القول صحيح البتة ، فإن الصحابة غير معصومين ، وقد جاءت روايات صحيحة بها أخطأ فيه بعضهم من فهم أشياء من القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وذلك العهد هو ما هو ، ثم بما وهل عنه بعضهم « 1 » مما تحدثوا من أحاديثه الشريفة ، فأخطئوا في فهم ما سمعوا ، ونقلنا في باب الرواية من تاريخ آداب العرب « 2 » أن بعضهم كان يردّ على بعض فيما يشبه لهم أنه الصواب خوف أن يكونوا قد وهموا . وثبت أن عمر رضي اللّه عنه شك في حديث فاطمة بنت قيس ، بل شك في حديث عمار بن ياسر في التيمّم لخوف الوهم ، مع أن عمارا ممن لا يتهم بتعمد الكذب ، ولا بالكذب وهلة ، لصحبته وسابقته مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولذلك أذن له عمر في رواية هذا الحديث مع شكه هو في صحته . على أن تلك الروايات القليلة « 3 » إن صحت أسانيدها أو لم تصح : فهي على ضعفها وقلتها مما لا حفل به ؛ ما دام إلى جانبها إجماع الأمة وتظاهر الروايات الصحيحة وتواتر النقل والأداء على التوثيق . وبعد فما تلك الردة التي كانت بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والفتن التي تعاقبت
--> ( 1 ) غلط أو نسي . ( 2 ) الجزء الأول . ( 3 ) فيما زعموه كان قرآنا وبطلت تلاوته .