مصطفى صادق الرافعي

229

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

أن تقرأ الآية منه حتى تراها قد خرجت من حد المألوف ، وانسلت منه وفاتت سمت ما قدرت لها من مطلع ومقطع ، فمهما وجدت لا تجد سبيلا إلى حدّها ، ومهما استطعت لا تستطيع أن تقرن بها كلاما تعرف حدّه في البلاغة ، إن لم يكن بالصنعة فبالحس . وهذا وجه من أبين وجوه الإعجاز في القرآن ، وقد جاء من طبيعة تركيبه وأنه لا أثر فيه من آثار النفس الإنسانية ، وعليه قول الجاحظ ( كتاب النبوة ) وإن كان لم يهتد إلى تعليله : « لو أن رجلا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم - أي العرب - سورة قصيرة أو طويلة ، لتبين له في نظامها ومخرجها من لفظها وطابعها ، أنه عاجز عن مثلها ، ولو تحدى بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها » . ولا يقذفن في روعك أنه صلّى اللّه عليه وسلم وهو أفصح العرب ، لو قد تصنع في شيء من كلامه ؛ وتكلف له ، وتأتى لوجوه البلاغة المعجزة فيه ، من التركيب البياني ، والاختراع اللغوي وما إليهما - لجاء منه بما عسى أن يطابق القرآن في نظمه وإحكامه ، وفي كل ما به صار القرآن معجزا - تتوهم ذلك الذي يكون من جمع النفس القوية ، وكدّ الذهن الصحيح ، والتوفر بأسباب الفطرة والصنعة على عمل هذا أمره وشأنه ؛ فإنه عليه الصلاة والسلام لو اتفق له كذلك - على فرض أن يتفق - لخرج مخرج غيره من فصحاء العرب ، قولا واحدا « 1 » ؛ لأن ما كان على حكم الغريزة لا ينزل على حكم الصنعة ، وإنما نوادر الفصاحة والبيان من هذه التراكيب الغريبة عمل لا تبلغ فيه الحيلة ؛ ولا يؤتيه البحث والنظر وتعاطي هذه الصناعة الفلسفية التي تنفذ شيئا من شيء وتهيئ مادة من مادة ، بل كان ذلك في حكماء البلاغة إنما هو شعر القريحة البيانية ، وهو ضرب من الإلهام ، يقوى بقوة الاستعداد له ويكثر بكثرة أسبابه في النفس فلا يتعاطاه أهله بالصنعة الكلامية ولو وقعوا في ملء رؤوسهم منها « 2 » ، ولا يمكن أن تنفذ فيه قواعد التأليف البياني التي تصف البلاغة وضروبها وأسرارها ؛ بل هو يتفق لهم اتفاقا على غير طريقة معروفة ولا وجه يسلكونه إليه وقد يعسر على أبلغ الناس في حين قد تيسر له بأسبابه ، واتجه إليه بالرغبة ، وجمع عليه النفس الحريصة ، وحسبه منقادا فإذا هو عنان لا يملك « 3 » . ولو أن هذا الضرب كان مما يجدي فيه الاحتفال ، وتبلغ منه الروية ويحتال عليه

--> ( 1 ) يؤكد لك ذلك ، وأنه أمر لا خلاف فيه عند أهله : ما أسلفنا بيانه في صدر هذا الفصل ؛ من أن الصحابة كانوا يروون الحديث بالمعنى ؛ فهم لا يرونه بحس الفطرة إلا كلاما إنسانيا : ولو أحسنوا مثل ذلك في القرآن لاقتحموا عليه أو فعل ذلك غيرهم ممن لم يؤمنوا به . بل لكان واجبا أن يفعلوا . ( 2 ) يقال وقع في ملء رأسه . أي فيما يشغله ولا يترك له فكرا في غيره . ( 3 ) استوفينا شيئا من هذا المعنى فيما تقدم من هذا الكتاب فارجع إليه .