مصطفى صادق الرافعي

230

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

بالنظر والتثبت ، كسائر ضروب الكلام - لقد كان البلغاء ابتذلوه ونالوا منه وصاروا فيه إلى الغاية ، مع أنه غصّة الريق التي لا يعتصر منها « 1 » ، وإنما يبعثها قدر ، ويسيغها قدر ، ومع أن الحرف الواحد منه في باب الاستعارة أو المجاز أو الكناية أو نحوها إذا اتفق لأحدهم كان أمير كلامه ، والواسطة في نظامه ، والدليل على إلهامه . فهذه واحدة ، والثانية أنه صلّى اللّه عليه وسلم لو اتفق له كذلك - على فرض أن يتفق - لما استطاع أن يتجرد من نفسه الكلامية ، التي من شأنها أن تطمع غيره في كلامه . وتجعله أبعد الأشياء عن مظنة الإعجاز بجانب الكلام المعجز ، والتي من شأنها أن تزيده هو نفسه يأسا كلما تمثّلت له في الكلام ورأى ألفاظه تتنفّس تنفسا آدميا ، بجانب تلك الألفاظ التي تهب هبوبا كأن لها جوا فوق كون من اللغة . وليس الأمر في هذه المعارضة - كما علمت - إلى مقدار الهمة في بعدها وقصرها ، ولا مبلغ الفطرة في شدتها واضطرابها ، ولا حالة البليغ في احتفاله ومهاونته ، بل هو أمر فوق ذلك أجمع ، وليست هذه الهمة وهذه الفطرة وهذه الحالة مما توجد في نفس الإنسان غير صفاتها الإنسانية بالغة ما بلغت ونازلة حيث تنزل ، فإن كل أمر لا يوطّأ له بأسبابه لا تحدثه غير أسبابه ، وما عرف الناس يوما من الدهر أن قوة الخلق ظهرت في مخلوق ، ولا أن إنسانا أخرج من نفسه غير ما في نفسه . ومن خواص القرآن العجيبة ، أن كل فصيح يحتفل في معارضته لا يزيده الاحتفال إلا نقصا من طبيعته ، وذهابا عن قصده وسنته ، فكلما اندفع إلى ذلك ارتد بمقدار ما يندفع ، وكلما كدّ طبعه رأى من تبلّده على حساب ما يكدّه فإذا ترك ذلك حينا فعفا من تعبه « 2 » وتراجع إليه الطبع ثم عاد ، كانت الثانية أشد عليه من الأولى ؛ لأنه كلما طمع أسرع به ذلك أن يتحقق اليأس وهكذا حتى يكون هو أول من يتهم نفسه بالعجز ، ويرمي طبعه بالاختيال ، ويصف كلامه بالنقص ، فإنه إنما يطمح في تلك المعارضة إلى شيء من غير طبعه ، فلا يرضى لها بشيء من طبعه ومتى كان ذلك منه ، لم يترك نفسه وشأنها ، بل يمنعها مما تنازع العمل عليه ، ويردها عن وجهها ويشق عليها في النزوع ، ويكدر بها تكديرا يفسد عليها كل ما هي فيه من ذلك العمل ، فليست تجد منه أبدا إلا متعنتا صعبا يسومها ويحمل عليه غير ما تطيق ، وليس يجد منها أبدا إلا طريقة معروفة وقوة محدودة وإلا ما صنعت عليه ونشأت فيه . فإذا طال ذلك به وبها ، أمات حركتها ونشاطها ، وترامى بها إلى العجز وضربها

--> ( 1 ) الاعتصار : أن يغص إنسان بالطعام ، فيشرب الماء قليلا قليلا ليسيغه وقد اعتصر بالماء : إذا فعل ذلك . ( 2 ) أي استراح وثابت إليه القوة .