مصطفى صادق الرافعي
226
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
فمن هذه الأوضاع قوله عليه الصلاة والسلام : مات حتف أنفه » وقد شرحناه فيما مر بك ، وقوله في صفة الحرب يوم حنين : « الآن حمي الوطيس » والوطيس : هو التّنور مجتمع النار والوقود ، فمهما كانت صفة الحرب ، فإن هذه الكلمة بكل ما يقال في صفتها ، وكأنما هي نار مشبوبة من البلاغة تأكل الكلام أكلا ، وكأنما هي تمثل لك دماء نارية أو نارا دموية ! . وقوله في حديث الفتنة : هدنة على دخن ، والهدنة : الصلح والموادعة والدخن : تغير الطعام إذا أصابه الدخان في حال طبخه فأفسده طعمه « 1 » . وهذه العبارة لا يعدلها كلام في معناها ، فإن فيها لونا من التصوير البياني لو أذيبت له اللغة كلها ما وفت بها ، وذلك أن الصلح إنما يكون موادعة ولينا ؛ وانصرافا عن الحرب ، وكفا عن الأذى ؛ هذه كلها من عواطف القلوب الرحيمة فإذا بني الصلح على فساد ، وكان لعلة من العلل ، غلب ذلك على القلوب فأفسدها ، حتى لا يسترح غيره من أفعالها ، كما يغلب الدخن على الطعام ، فلا يجد آكله إلا رائحة هذا الدخان ، والطعام من بعد ذلكم مشوب مفسد . فهذا في تصوير معنى الفساد الذي تنطوي عليه القلوب الواغرة « 2 » وثم لون آخر في صفة هذا المعنى ، وهو اللون المظلم الذي تنصبغ به النية ( السوداء ) وقد أظهرته في تصوير الكلام لفظة ( الدخن ) . ثم معنى ثالث ، وهو النكتة التي من أجلها اختيرت هذه اللفظة بعينها ، وكانت سرّ البيان في العبارة كلها ، وبها فضلت كل عبارة تكون في هذا المعنى وذلك أن الصلح لا يكون إلا أن تطفأ الحرب . فهذه حرب قد طفئت نارها بما سوف يكون فيها نارا أخرى . كما يلقى الحطب الرطب على النار تخبو به قليلا ، ثم يستوقد فيستعر فإذا هي نار تلظى ، وما كان فوقه الدخان فإن النار ولا جرم من تحته ، وهذا كله تصوير لدقائق المعنى ما ترى ، حتى ليس في الهدنة التي تلك صفتها معنى من المعاني يمكن أن يتصور في العقل إلا وجدت اللون البياني يصوّره في تلك اللفظة لفظة « الدخن » . ومنها قوله عليه الصلاة والسلام : « بعثت في نفس الساعة » يريد أنه بعث والساعة قريبة منه . فوصف ذلك باللفظة التي تدل على أدق معاني الحس بالشيء القريب ، وهي لفظة النفس كما يحس المرء بأنفاس من يكون بإزائه ولا يكون ذلك إلا على شدة القرب ، وإنما أفرد اللفظة ولم يقل :
--> ( 1 ) وهو مصدر دخنت النار ( من باب فرح ) إذا ألقي عليها حطب رطب وكثر دخانها لذلك ، وله معان أخرى . ( 2 ) الممتلئة غيظا وحقدا .