مصطفى صادق الرافعي

227

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

بعثت في أنفاس الساعة * لأنها نفخة واحدة ، وهذا معنى آخر فإن النفخة الشديدة متى جاءت من بعيد كانت كالنفس من الأنفاس ، وليس المراد ، من قرب الساعة أنها قدر اليوم أو غد على التعيين ، ولكن المراد أنها آتية لا ريب فيها . وأن ما بقي من عمر الأرض ليس شيئا فيما مضى ، وأن لا نظام لإنسان الدنيا إلا أن يتمثل في نفسه إنسان الآخرة ، فالساعة من القرب كأنها من كل إنسان في آخر أنفاسه وهذا كله قد أصبح اليوم من الحقائق التي لا مرية فيها . وفي تلك اللفظة معنى ثالث ، كأنه يقول : إن عمر الأرض كان طويلا فكانت الساعة بعيدة ثم قصر هذا العمر فبدأت الساعة تتنفس : وما يدرينا أنه قد حان أجل الأرض كما يحين أجل النهار عندما تبدأ الدقيقة الأولى من ساعة الغروب ، ثم لا ينقضي هذا الأجل إلا في الدقيقة الأخيرة من هذه الساعة ؟ . وبقي معنى رائع في لفظة ( النفس ) أيضا ؛ وذلك أنه يقال على المجاز : فلان في نفس من ضيقه ، إذا كان في سعة ومندوحة وقد عرف الضيق ما هو بعد أن شد عليه وكتم أنفاسه ! فيكون التأويل على ذلك ، أن الساعة آتية وأنها قريبة . وأنها تكاد تكون ولكن البعثة في نفس منها ، فليعمل الناس لآخرتهم فإنه يوشك أن لا يعملوا ؛ ثم ليعمروا أنفسهم قبل أن يعمروا أرضهم : فإن الساعة تطوي هذه وتنشر تلك . ومن تلك الأوضاع قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « كل أرض بسماتها » ، وقوله : « يا خيل اللّه اركبي » « ولا تنطح فيها عنزان » « 1 » . وقوله لأنجشة ، وكان يسير بالنساء في هوادجهن . وهو يحدو بالإبل وينشد القريض والرجز . فتنشط وتجد وتنبعث في سيرها فتهتز الهوادج وتضطرب النساء فيها اضطرابا شديدا فقال عليه الصلاة والسلام « رويدك رفقا بالقوارير » « 2 » . وقوله في يوم بدر : « هذا يوم له ما بعده » « 3 » ، إلى أمثال لذلك كثيرة ؛ لو أردنا أن نستقصي في جمعها وفي شرحها واستنباط وجوه البيان منها ، لطال بنا القول جدا ورجع أمر هذا الفصل أن يكون في معنى التأليف كتابا برأسه إن كنا لا نلتزم إلا جهة البيان وحدها .

--> ( 1 ) أي لا امتراء فيها ، وأكثر ما يكون انتطاح المعزى إذا أخصبت الأرض فشبعت ، فإنها تتظالم من الأشر ، فتنفش العنز شعرها وتنصب روقيها في أحد شقيها فتنطح أختها ، وما بها نطاح ، ولكنه مراء وأشر ومكابرة ، وتلك طبيعة في المعزى بخاصتها . ( 2 ) هي الزجاجات ، ووجه المعنى ظاهر ، وكأنهن نور وصفاء ورقة ثم سلامة قلما تسلم إلا بشدة الصيانة والحفظ والمراعاة . ( 3 ) يريد أنه أساس تاريخي لما سيبنى عليه ، فليضعوا كل همهم فيه ، أو هو يملك الأيام الآتية ، فإذا أحرزوه أحرزوها معه ، وإن خسروه ذهبت بذهابه .