مصطفى صادق الرافعي

225

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

القوي ، والصقل البديع ، واللفظ المونق ، والحكمة الناصعة ، ولكنك تصيب أكثر ذلك أو عامته على وجهه كما هو ، ليس فيه سر من أسرار البيان ، ولا دقيقة من أوضاع اللغة ، ولا غرابة من التركيب تتحير فيها ، وتقف عندها وتعطف برأيك عليها كلما هممت أن تمضي في الكلام ، وتردّد نظرك في مصادرها ومواردها ، على إصابتك من الصناعة ، وبلوغك من الأدب ، ورسوخك في حكمة البلاغة ، فإن البصير بذلك ليمر في كلام البلغاء مرّا ، لا يعدو أن يستحسنه ويعجب به ويستمرئ أسلوبه ، حتى إذا انتهى إلى وجه من وجوه هذه الغرابة البيانية . رأى في الكلام عقلا من العقول تنطوي عليه الأحرف القليلة ، وكأنه يكاشفه بنفسه وقد ثبت على نظره كما تثبت العاطفة ، فما يعفو ولا يضمحلّ « 1 » حتى يكون هذا المتبيّن الذي يطلب أسرار الكلام قد وقف عنده ذاهلا ، وحبس عليه الفكر يتأمل به فرق ما بين عقله وهذا العقل ، ويروز نفسه « 2 » منه مختبرا ، ويتعرف من تلك الأحرف القليلة مسافة ما بين العجز والقدرة إن كان عاجزا عن مثله ، أو ما بين قوة وأخرى إن كان قادرا عليه ؛ فكأن اللفظة الواحدة من تلك الجملة إنما هي مقياسا للنبوغ والابتكار وكأن الجملة ليست كلاما من الكلام ، ولكنها سر من أسرار النفس يلقي إليه شغلا طويلا لم يكن هو من قبل في سبب من أسبابه . وما كان إلا في أحرف وكلمات ينشر منها ويطوي ، فقد صار إلى كلمات مسحورة تنشر هي من نفسه وتطوي . هذا ، على أن كلامه صلّى اللّه عليه وسلم ليس مما تكلف له ، ولا داخلته الصنعة ، ولا كان يتلوّم على حوكه وسرده ، ولكنه عفو البديهة ، ومساقطة الحديث ، مما يجريه في مناقلة الكلام ومساق المحاضرة ، وأنه مع ذلك لعلى ما وصفنا وفوق ما وصفنا ، فقد تراه وما يتفق فيه من الأوضاع التركيبية الغريبة ، وتعرف أن ذلك شيء لم يتفق مثله في هذا الباب لشاعر ولا خطيب ولا كاتب على إطالة الرواية ، ومراجعة الطبع ، والغلوّ في الصنعة ، وعلى أن لهم السّبك الخالص والمعدن الصريح . والبيان الذي يتفجّر في الألسنة لرقته وعذوبته واطراده . . . والبليغ من البلغاء في صنعته وبيانه ، كالشجرة المورقة في روائها ونضرتها حتى تتسق له أسباب من هذه الأوضاع البيانية ، وتستقل له طريقة في عقدها وإخراجها ، فيبلغ أن يكون مثمرا ، والثمر بعد متفاوت في أشجار البلاغة ، نضجا وماء وحلاوة وكثرة ، وما أثمرت من ذلك بلاغة غربية ما أثمرته بلاغة السماء في القرآن الكريم ثم بلاغة الأرض في كلامه صلّى اللّه عليه وسلم ، والناس بعد ذلك أجمعون حيث طاروا أو وقعوا . . .

--> ( 1 ) لا يندرس ولا يمحى ولا يذهب لأنه وضع النفس للنفس . ( 2 ) يزنها ويمتحنها ويعرف مقدارها .