مصطفى صادق الرافعي

224

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

المعنى : واسع الحيلة في تصريفه ، بديع الإشارة ، غريب اللمحة ، ناصع البيان ، ثم لا ترى فيه إحالة ولا استكراها ، ولا ترى اضطرابا ولا خطلا ، ولا استعانة من عجز ، ولا توسعا من ضيق ، ولا ضعفا في وجه من الوجوه . وهذه حقيقة راهنة : دليلها ذلك الكلام نفسه بجملته وتفصيله ، لا يجهلها إلا جاهل ، ولا يغفل عنها إلا غافل ، فإذا أنت أضفت إليها ما هناك ، من سمو المعنى ؛ وفصل الخطاب ، وحكمة القول ، ودنو المأخذ ، وإصابة السر ، وفصل التصرف في كل طبقة من الكلام ، وما يلتحق بهذه وأمثالها من مذهبه صلّى اللّه عليه وسلم في الإفصاح ، ومنحاه في التعبير ، مما خص به دون الفصحاء ، وكان له خاصة ، من عظمة النفس ، وكمال العقل ، وثقوب الذهن ومن المنزعة الجيدة ، واللسان المتمكن - رأيت من جملة ذلك نسقا في البلاغة قلّما يتهيأ في مثول أغراضه وتساوق معانيه لبليغ من البلغاء . إذ يجمع الخالص من سر اللغة ومن البيان ومن الحكمة - بعضها إلى بعض . أما اللغة فهي لغة الواضع بالفطرة القوية المستحكمة ، والمنصرف معها بالإحاطة والاستيعاب ، وأما البيان فبيان أفصح الناس نشأة ، وأقواهم مذهبا ، وأبلغهم من الذكاء والإلهام ، وأما الحكمة فتلك حكمة النبوة ، وتبصير الوحي وتأديب اللّه ، وأمر في الإنسان من فوق الإنسانية . وأين من ذلك الفصحاء والبلغاء وأنى لهم ؟ وما قط عرفنا بليغا سلمت له جهات الصنعة في كلامه - من اللغة والبيان والحكمة - على أتمها ، بحيث لم يزغ عن قصد الطريقة ، ولا تحيّفته إحدى هذه الثلاث بإدخال الضيم على أختيها في كلامه واستبانة أثرها فيه وغلبتها عليه ، وإنما هو جهد الممرن من هذه الفئة . أن يصنع الصنعة ويغلو في الإتقان ، ويبالغ في التهذيب والتنقيح ، ويعمل بما وسعه لتخليص كلامه ، ويتلوم على ذلك « 1 » ويتقدم فيه ويتأخر متأملا هاهنا وهاهنا من أعطاف الكلام ، ثم هو بعد ذلك إن سلمت له الحكمة لم تسلم له صنعة اللغة في حسّ الهداية إلى الاستعمال والتمكن منه ، وإن خلصت له هذه لم يخلص إلى أسرار البيان في تركيبها وتنضيدها ، فإن هو أفضى إليها لم يخلص إلى النادر منها ، مما يخرج الكلام في قبوله وحسن معرضه وصفاء رونقه ودقة تأليفه كأنه وضع تركيبي مرتجل ، له غرابة الارتجال في الوضع المفرد الذي هو من أصل اللغة ، فإن قوة البيان إنما هي في هذه الغرابة وفي جهتها ومقدارها على ما عرفته من قبل . ومن أجل ذلك تقرأ كلام البليغ من الناس ، فترى الصنعة المحكمة ، والطبع

--> ( 1 ) تلوم على كذا : تمكث فيه وأبطأ ، وتقول : فلان يتلوم على حوك الشعر وصنعته : أي يبطئ في عمله ، مما يتكلف من إطالة النظر والتنقيح .