مصطفى صادق الرافعي

223

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ونحن الآن قائلون في نسق هذا الأسلوب ؛ ليتأدّى بك القول إلى صميم مذهبه ، وينتظم هذا القول بعضه ببعض . إذا نظرت فيما صح نقله « 1 » من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم على جهة الصناعتين اللغوية والبيانية ، رأيته في الأولى مسدّد اللفظ محكم الوضع جزل التركيب . متناسب الأجزاء في تأليف الكلمات : فخم الجملة واضح الصلة بين اللفظ ومعناه واللفظ وضريبه في التأليف والنسق ، ثم لا ترى فيه حرفا مضطربا ؛ ولا لفظة مستدعاة لمعناها أو مستكرهة عليه ؛ ولا كلمة غيرها أتم منها أداء للمعنى وتأتّيا لسره في الاستعمال ؛ ورأيته في الثانية حسن المعرض ، بين الجملة ، واضح التفضيل ، ظاهر الحدود جيد الرصف ، متمكن

--> ( 1 ) ليس كل ما يروى على أنه حديث يكون من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم بألفاظه وعبارته ، بل من الأحاديث ما يروى ، لتكون ألفاظه أو بعضها لمن أسندت إليه في النقل ، ولجواز الرواية بالمعنى لم يستشهد سيبويه أو غيره من أئمة البصريين على النحو واللغة بالحديث ، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب ، ولو كان التدوين شائعا في الصدر الأول وتيسر لهم أن يدونوا كل ما سمعوه من النبي صلّى اللّه عليه وسلم بألفاظه وصوغه وبيانه ، لكان لهذه اللغة شأن غير شأنها . وقد كان الأصل عندهم أن يضبط المحدث ، معنى الحديث فأما الألفاظ فمنها ما يتفق لهم بنصه . وخاصة في الأحاديث القصار ، وفي حكمه وأمثاله صلّى اللّه عليه وسلم ، ومنها ما لا يتفق ، فيلبسه الراوية من عبارته ، حتى قال سفيان الثوري : إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني ، إنما هو المعنى . ولبعضهم كلام حسن في ذلك ، قال إن اليقين ليس بمطلوب في هذا الباب وإنما المطلوب غلبة الظن الذي هو مناط الأحكام الشرعية ، وكذا ما يتوقف عليه من نقل مفردات الألفاظ وقوانين الإعراب ، فالظن في ذلك كله كاف ، ولا يخفى أنه يغلب على الظن أن ذلك المعقول المحتج به ( أي على اللغة والنحو ) لم يبدل ، لأن الأصل عدم التبديل ، لا سيما والتشديد في الضبط والتحري في نقل الأحاديث شائع بين النقلة والمحدثين ومن يقول منهم بجواز النقل بالمعنى فإنما هو عنده بمعنى التجويز العقلي الذي لا ينافي وقوع نقيضه ، فلذلك تراهم يتحرون في الضبط ويتشددون ، مع قولهم بجواز النقل بالمعنى فيغلب على الظن من هذا كله أنها لم تبدل . ويكون احتمال التبديل فيها مرجوحا فيلغى ولا يقدح في صحة الاستدلال بها ، ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى ، إنما هو فيما لم يدون ولا كتب ، وأما ما دون وحصل في بطون الكتب فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير خلاف بينهم . وتدوين الأحاديث والأخبار ، بل وكثير من المرويات ، وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية ، حين كان أولئك المبدلين - على تقدير تبديلهم - يسوغ الاحتجاج به ، وغايته يومئذ تدبيل لفظ بلفظ يصح الاحتجاج به ، فلا فرق بين الجميع في صحة الاستدلال . قلنا : وهذا الكلام يرجع آخره إلى أوله كما ترى ، فلا ينفي رواية الأحاديث بالمعنى لأنه توجيه في صحة الاستدلال بها على النحو واللغة ، وإنما الذي هو مادة كلامنا في هذا الباب ، اللفظ والعبارة وقيامها بالمعنى ، . ولولا ما نعلم من حفظ العرب وثبات ما ارتبطوا في صدورهم . وأن الحديث هو كان علما من علم الصحابة - رضوان اللّه عليهم - لشككنا في لفظ كل ما رووه من الأحاديث إلا قليلا مما يكون لفظه نصا لمعناه . كالوضع البياني والحكمة القصيرة ، والمثل السائر ونحوها .