مصطفى صادق الرافعي
222
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وما ننكر أن هذا كله حظ النقل والرواية . ولكن أين حظ الرأي والدراية ؟ وأين مذهب الحجة ، وأين فائدة التاريخ ؟ وأين دليل الفصاحة من اللغات ؟ وأين أدلة اللغات من أهلها ؟ . . . وهذه فنون لو أن الرواية امتدت بها أو بعضها من عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلم : وكان لعلمائنا رأي محصد في هذا الأمر . وحسبة حسنة . ونظر وتدبير - لقد كان اللّه ارتاح لنا برحمة من عملهم ، وأنقذنا من كثير لا نبرح نضطرب فيه آخر الدهر . وهيأ لنا من صنيعهم أسبابا وثيقة إلى أبواب من فلسفة هذه اللغة وتاريخ آدابها ؛ ولكن ذلك قد كان من أمرهم في اللغة خاصة ، ولما بيناه في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب : لم يرو أنه يسقط شيئا على من بعدهم ، ولا رأوا أنه وكف ولا نقص « 1 » ، ولا أن في باب الرأي غير ما صنعوا : فأخذوه على الجهة التي اتفقت لهم ، وجاءوا به من عصرهم لا من عصره . وقد كان هذا الشأن قريبا منهم لو أرادوه ، وذلك الأمر موطّأ لهم لو اعتزموا فيه ؛ ولكنه فوت قد فات . وعمل قد مات ، وأمل لزمته هيهات فلم يبق لنا من بعدهم إلا أن نصنع كما صنعنا ؛ فنأخذ بالجملة دون تفصيلها ، ونصل القول بين الأسباب وما تسببت له ، ونعتلّ لما جاء عن النفس بما هو في تركيب النفس ونستروح إلى ما أجمعوا عليه بالحجة التي ينصبها الإجماع ويشدها الاتفاق ، ومهما أخطأنا من ذلك لم يخطئنا الكشف على أصل المعنى وثبته ووجه مذهبه ، وفي هذا بلاغ ، ثم لا يكون قد فاتنا في مثل هذا الفصل إلا ضرب من الكمال والتأليف ، وباب من التطوع في العمل ، وإنما وجه الحقيقة في ذلك الأصل لا في الأمثلة ومظهر الواجب في الفرض وحده وكم وراء الفرض من نافلة . نسق البلاغة النبويّة قد قلنا في بيان أسلوب كلامه صلّى اللّه عليه وسلم ، إنه أسلوب منفرد في هذه اللغة ، قد بان من غيره بأسباب طبيعية فيه ، وأن ما أشبهه من بلاغة الناس في الكلمات القليلة والجمل المقتضبة ، لا يشبهه في العبارة المبسوطة ، ولا يستوي له الشبه مع ذلك في كل قليل ولا في كل مقتضب ، حتى يقع التنظير بين الأسلوبين على الكفاية ، وحتى يميل الحكم إلى الجزم بأن بعض ذلك كبعضه : بلاغة ونسقا وبيانا .
--> غريب الحديث ، ليس أوسع منه إلا كتاب ( النهاية ) لمجد الدين بن الأثير وكلاهما مطبوع متداول ، وهم يقتصرون على إيراد الألفاظ وتأويلها ، ويقفلون ما وراء ذلك من تاريخ اللفظ ، ونسبه في القبائل وتسلسله في الألسنة ، فأحيوا بعملهم فروعا في اللغة ، وأماتوا فروعا في التاريخ ، كما بسطناه في باب اللغة من تاريخ آداب العرب . ( 1 ) أي لا عيب ولا إثم ، والعبارة على المجاز .