مصطفى صادق الرافعي
221
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
ذلك قد أثرت في العرب ومناطقها وأساليبها ، وهم كما علمت أهل الفطرة والسليقة وإنما أكبر أمرهم في اللغة التوهم والنزوع إلى المحاكاة ، والمضي على ما توهموا ، والأخذ فيما نزعتهم إليه الطبيعة ، وعلى ذلك مبنى لغتهم كما فصلناه في بابه « 1 » . فالعربيّ الفصيح منهم ، إذا كان جافيا متوقّحا ، وكان صافي الحس بليغ الطبع ، وكان في قواه البيانية مع ذلك فضل من التصرف - رجع أمره ولا جرم إلى أن يكون صاحب لغتهم ، وإلى أن يكون منطقه فيهم مذهبا من المذاهب ، وإن كانوا لا يعرفونه باللغة وعلمها وتصريفها على الحدود التي يعرف بها الناس علماءهم ، وكان هو لا يعرف من نفسه أنه لغوي وأنه واضع ، إذ ليس من ذلك شيء يسمى عندهم علما ، إنما هو سمت الفطرة الذي تأخذ فيه طبائعهم ، ودلالتها التي تهتدي بها وتستقيم عليها لا أكثر من ذلك ولا أقل . ولقد كان هؤلاء العرب أجدر الناس بأن يقال إن فيهم حاسة سادسة ، هي حاسة الاهتداء اللغوي ، ثم لا يكون هذا القول إلا حقا . وبعد ، فإنه ليس لنا أن نبسط في الفصل أكثر مما بسطنا ، فإن علماءنا ورواتنا رحمهم اللّه لم يوقعوا الكلام في أماليهم وكتبهم على حالة اللغة لعهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم تعيينا ، ولا دلوا على ما كان له من الأثر في أوضاعها وتقليبها ، وعلى ما جاء من قبله في ذلك مما كان من قبل سواه ؛ وعلى ما صارت إليه اللغة بعد استفاضة الإسلام والاجتماع على المضرية ، إلى ما يداخل ذلك من أبواب التاريخ اللغوي . وإنما اكتفوا بأنهم إجماع واحد ، ويقين لا تحتل منه ، أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان أفصح العرب ، وأعلمهم بلغاتها وأوسعهم في هذا الباب وأنه لم يأتهم عن أحد من روائع الكلام ما جاءهم عنه وأن له في كل ذلك المزية البينة ، التي تواتر بها النقل ، وتظاهر بها الخبر ، كما أسلفنا بيانه ، ثم تركوا أن يتوسعوا في تفصيل ما أجمعوا عليه وأن يعتلوا له بأسبابه ، ويعرضوا له من وجوهه ، ويستقصوا فيه إلى أوائله ، ويأخذوه من نشأته ؛ حتى إن الذين وضعوا الكتب الممتعة في علم غريب الحديث ، لم يتعرضوا له ، ولم يقولوا فيه قولا ، مع أنه مبنى علمهم ، وجهة تأليفهم ، وله منصب الحجة ، وإليه غاية الرأي ، بل اجتزءوا - عفا اللّه عنهم - ببيان اللفظ الغريب وتفسيره ، وصرفوا أكبر همهم إلى الإكثار من الجمع ، وإلى صحة المعنى وجودة الاستنباط . وكثرة الفقه . وإشباع التفسير وإيراد الحجة وذكر النظائر . وتخليص المعاني ، حتى كانت هذه الكتب كلها كما قال الخطابي البستي « 2 » « إذا حصلت كان مآلها كالكتاب الواحد » .
--> ( 1 ) الجزء الأول من تاريخ آداب العرب . ( 2 ) كان بعد الستين وثلاثمائة من الهجرة ، وقد ألف كتابا في غريب الحديث استوعب فيه كل ما تقدمه . ثم اتصل التأليف بعده في هذا العلم حتى وضع الزمخشري كتابه الفائق : وهو من أوسع الكتب في