مصطفى صادق الرافعي

212

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

السجع ؛ وهو يتفق للصبيان والضعفاء من العرب ، يتراجزون به في عملهم وفي لعبهم وفي سوقهم ، ومثل هؤلاء لا يقال لهم شعراء ، فقد يتسق لهم الرجز الكثير عفوا غير مجهود ، حتى إذا صاروا إلى الشعر انقطعوا . وإنما جعل الرجز من الشعر تتابع أبياته ، وجمع النفس عليه ، واستعماله في المفاخرات والمماتنات ونحوها ، وأنه الأصل في اهتدائهم إلى أوزان الشعر ، كما سنفصل كل ذلك في الجزء الثالث من تاريخ آداب العرب إن شاء اللّه ، فأما البيت الواحد منه ، فليس في العرب جميعا ، ولا في صبيانهم وعبيدهم وإمائهم من يأبه له ، أو يعدّه شعرا ، أو يأذن لوزنه ، أو يحسب أن وراءه أمرا من الأمر : إنما هو كلام كالكلام لا غير . ولقد كانت الأوزان فطرية في العرب ، فهي في الرجز ، وهي في السجع ، وهي في الشعر ، جميعا ، ولم يعلم أنه صلّى اللّه عليه وسلم اتفق له في الرجز أكثر من بيت واحد ، أو تمثل منه بأكثر من البيت الواحد كبيت أميّة بن أبي الصّلت : إن تغفر اللهمّ تغفر جما * وأي عبد لك لا ألمّا وإنما كان له ذلك في الرجز خاصة دون الشعر ، لأن الشطرين منه كالشطر الواحد في الوزن والقافية ، لا يبين أحدهما من الآخر ؛ وبخاصة في هذين الضربين المنهوك والمشطور ، وهما بعد ذلك كالفاصلتين من السجع ، لا يمتازان منه في الجملة إلا بإطلاق حركة الرّوي ، ومن أجل هذه العلة لم يتفق له في غيرهما شيء ، وهو صلّى اللّه عليه وسلم كان يقيم الشطر الواحد من الشعر كما علمت ، لأن مجازه على انفراده مجاز الجملة من الكلام ؛ فلا يستبين فيه الوزن ، ولا يتحقق معنى الإنشاد ، ولا تتم هيأته من الإيقاع والتقطيع والتشدق ونحوها ؛ فإذا صار إلى تمام البيت من المصراع الآخر ، وهمّ الوزن أن يظهر ، والإنشاد أن يتحقق ، وأوشك الأمر أن يمتاز بما ينفرد به الشعر في خواصه التي تبينه من سائر الكلام كسر وخرج بذلك إلى أن يجعل البيت كأنه جملة مرسلة من الكلام ، على ما كان من أمره في الشطر الواحد . والذي عندنا ، أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يمنع إقامة وزن الشعر في إنشاده إلا لأنه مع من إنشائه ، فلو استقام له وزن بيت واحد ، لغلبت عليه فطرته القوية ، فمرّ في الإنشاد ، وخرج بذلك - لا محالة - إلى القول والاتساع وإلى أن يكون شاعرا ، ولو كان شاعرا لذهب مذاهب

--> جمهورهم ، ومنهم من ينفي أن يكون من الشعر ، والصواب أنه ضرب من الوزن ، لم يجعل من الشعر إلا أنه كان الأصل في اهتدائهم إليه ، ثم أخذ فيه الشعراء بعد ذلك وأجروه مجرى القصيد ، فجعلته العادة شعرا ، أما هو في أصله وحقيقته فليس من الشعر ، وسنذكر تاريخه في موضعه من الجزء الثالث .