مصطفى صادق الرافعي
213
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
العرب التي تبعث عليها طبيعة أرضهم - كما بسطناه في موضعه « 1 » - ولتكلف لها ، ونافس فيها ، ثم لجاراهم في ذلك إلى غايته ، حتى لا يكون دونهم فيما تستوقد له الحمية ، وما هو من طبع المنافسة والمغالبة ، وهذا أمر ، كما ترى ، يدفع بعضه إلى بعض ، ثم لا يكون من جملته إلا أن ينصرف عن الدعوة ، وعما هو أزكى بالنبوة وأشبه بفضائل القرآن ، ولا من أن يتسع للعرب يومئذ بد ، فيقرهم على شيء ، ويجاريهم على شيء ، وينقض شعره أمر القرآن عروة عروة ، ولذا قال تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ « 2 » . ثم يأتي بعد ذلك جلة أصحابه وخلفائه ، يأخذون فيما أخذ فيه ، فيمضون على ما كان من أمرهم في الجاهلية ، ويثبتون على أخلاقهم وعلى أصول طباعهم ويستطير ذلك في الناس ، وهو أمر متى تهيأ نما فيهم ، ومتى نما غلب عليهم ، ومتى غلب استبد بهم ، ومتى استبد لم تقم معه للإسلام قائمة وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى .
--> ( 1 ) صفحة 113 من هذا الكتاب فما بعدها . ( 2 ) بيّنّا في صفحة 114 أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن يأتي إلى العرب بالتمويه ، ولا يتألفهم على باطلهم ، ولا يرفق بهم فيما يتخيلون . . . الخ ، وأمسكنا هناك عن مثل نضربه ، لأن له هنا موضعا ، وذلك أن ثقيفا ، وهم من أشد العرب ، كانوا يأبون أن يدينوا للإسلام ، حتى أسلم أكثر العرب ، فائتمروا بينهم وأرسلوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وفدا في السنة التاسعة للهجرة ، فلما دنوا من المدينة ، لقوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب الصحابة ، فلما رآهم ترك الركاب وخرج يشتد ليبشر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بقدومهم . فلقيه أبو بكر ، فلما علم الخبر قال له : أقسمت عليك باللّه لا تسقني إلى رسول اللّه حتى أكون أنا الذي أحدثه ! ففعل المغيرة ، ودخل أبو بكر بهذه البشرى . ثم خرج المغيرة إلى أصحابه ، فروح الظهر معهم وعلّمهم كيف يحيون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلم يفعلوا ، إلا بتحية الجاهلية ، ثم كان فيما سألوه عليه الصلاة والسلام واشترطوه لبيعتهم وإسلامهم ، أن يدع لهم الطاغية ، وهي ( اللات ) لا يهدمها ، ثلاث سنين ، فأبى ذلك عليهم ، فما برحوا يسألونه سنة سنة . فأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ، فأبى أن يدعها شيئا يسمى وإنما كانوا يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم . ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام ، فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها . وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة وأن يكسروا أوثانهم بأيديهم . فقال عليه الصلاة والسلام : أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه ! فقالوا : يا محمد ، أما هذه فسنؤتيكها وإن كانت دناءة ! ثم أسلموا . وأمر عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سنا . ولكنه أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن . وهذا خبر مكشوف ليس منه موضع إلا هو يعطيك معنى من الفرق بين الأمر الإنساني والأمر الإلهي . فليست تبلغ العبارة في معناه ما تبلغ عبارته بمعناه .