مصطفى صادق الرافعي

207

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ظاهر العادة يستهلك الكلام ويستولي عليه بالكلف ولا يكون أكثر ما يكون إلا باستكراه وتعمل ؛ كما يشهد به العيان والأثر ، فكان تيسير ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم واستجابته على ما يريد وعلى النحو الذي خرج به - نوعا من الخصائص التي انفرد بها دون الفصحاء والبلغاء وذهب بمحاسنها في العرب جميعا . وهذا هو الذي كان يعجب له أصحابه ، ويرونه طبقة في هذا اللسان وطرازا لا يحسنه إنسان ، حتى إن أبا بكر رضي اللّه عنه قال له مرة : لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم ، فما سمعت أفصح منك ؛ فمن أدّبك ( أي علمك ) قال : أدّبني ربي فأحسن تأديبي . وهذا خبر متظاهر ، وقد مرّ بك ، . وهيهات أن يكون في العرب فصيح تعرفه فصاحته ولا يكون قد سمعه أبو بكر ، متكلما أو خطيبا ومنشدا في سوق موسم أو حفل ؛ فإنه - رضي اللّه عنه - في علم العرب وأنسابها وأخبارها ولغاتها وآثارها - الغاية التي ينتهي إليها ويوقف عندها ، حتى لا يعدل به عدل وحسبك أن أنسب العرب في صدر الإسلام ، وهو جبير بن مطعم ، إنما عنه أخذ ومنه تعلّم ، وإذا قالوا في المبالغة : أنسب من أبي بكر ، فقد قالوا : أنسب الناس ! . فهذا أبلغ ما ندلي به من حجة وما ندل به من خبر في هذا الباب « 1 » لأنه خبر من أنسب العرب عن معرفة ، ومعرفة عن عيان ، وعيان بعد استقصاء ، واستقصاء عن رغبة في هذا العلم وتحصيله والمعرفة به مع قوة الفطرة وسلامتها ليس وراء ذلك في صحة الدليل مذهب من مذاهب التاريخ .

--> ( 1 ) وجاءت أخبار أخرى مما يدل به ، ولكنها في معنى التاريخ دون خبر أبي بكر لما علمت ، ونحن نجتزئ بواحد منها لبلاغة التوكيد فيه : وذلك ما رووه من أنه صلّى اللّه عليه وسلم بينما هو جالس ذات يوم مع أصحابه إذ نشأت سحابة ، فقالوا : يا رسول اللّه ، هذه سحابة ! فقال : كيف ترون قواعدها ؟ قالوا : ما أحسنها وأشد تمكنها ! قال : وكيف ترون رحاها ؟ قالوا : ما أحسنها وأشد استدارتها ! قال : وكيف ترون بواسقها ؟ قالوا : ما أحسنها وأشد استقامتها ! قال : وكيف ترون برقها ؟ أوميضا أم خعيا أم يشق شقا ؟ قالوا : بل يشق شقا . ، قال فكيف ترون جونها ؟ قالوا : ما أحسنه وأشد سواده ! فقال عليه السلام : الحياء الحياء : المطر . وقواعد السحابة : أسافلها . ورحاها : وسطها ، وبواسقها أعاليها . والوميض اللمع الخفي . وخعيا - بسكون العين - أي ضعيفا . وجون السحابة : أسودها . فقالوا : يا رسول اللّه ، ما رأينا الذي هو أفصح منك . قال : وما يمنعني من ذلك ؟ فإنما أنزل القرآن بلساني ، لسان عربي مبين . فتأمل قولهم : « ما رأينا الذي هو أفصح منك » فإن تعبيرهم ( بالذي ) يدل على تمكن هذا الاعتقاد منهم ، وأنهم يخبرون عن نظر ومعرفة واستقصاء ، وأنه ليس في جميعهم واحد يقال عنه ( الذي ) ، والرواة وعلماء اللغة والبلاغة جميعا ، على أنه صلّى اللّه عليه وسلم من أفصح من نطق بالعربية ، وأنه ما جاءهم عن أحد من روائع الكلام مثل ما جاءهم عنه صلّى اللّه عليه وسلم .