مصطفى صادق الرافعي
208
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
على أنه لا يؤخذ مما قدّمنا أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن يطيل الكلام إن رأى وجها للإطالة ، فقد كان ربما فعل ذلك إن لم يكن منه بد ، وقد روى أبو سعيد الخدري أنه صلّى اللّه عليه وسلم خطب بعد العصر فقال : « ألا إن الدنيا خضرة وحلوة ، ألا وإن اللّه مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ؛ فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء ! ألا لا يمنعنّ رجلا مخافة الناس أن يقول الحق إذا علمه ! » . قال أبو سعيد : ولم يزل يخطب حتى لم يبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف « 1 » فقال : « إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى ! » . قلنا : وهذه مدة لا تقدر في عرفنا بأقل من ساعتين ، وحسبك بكلام من البلاغة النبوية يستوفيهما ، بيد أن الإقلال كان الأعمّ الأغلب ، حتى ورد أنه كان يأمر بقصر الخطبة ، فروى أبو الحسن المدائني قال : تكلم عمار بن ياسر يوما ، فأوجز ، فقيل له : لو زدتنا ! قال : أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بإطالة الصلاة وقصر الخطبة . وقد ورد في الحديث : « نحن معاشر الأنبياء فينا بكاء » ، أي قلة في الكلام ، وهو من بكأت الناقة والشاة إذا قلّ لبنها ، وتأويله على ما بسطناه آنفا . غير أن هاهنا فصلا حسنا لأديبنا الجاحظ ساقه في كتاب ( البيان ) وقد أورد هذا الحديث بلفظ آخر ، وظن أن بعضهم ربما تأوّله على جهة الحصر « 2 » والقلة ، وعلى وجه المعجزة والضعف ، أو خطر له ذلك الهاجس ، بما يعطيه ظاهر اللفظ ؛ وكل امرئ ظنين بدعواه فكتب ما كتب يستدفع به الظن ويصافح اليقين ، وقد رأينا أن نحصّل كلامه توفية للفائدة ، وبسطا لما لم نبسطه إذ كان هو قد سبق إليه . قال رحمه اللّه : روى الأصمعي وابن الأعرابي عن رجالهما : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إنا معشر الأنبياء بكاء » فقال ناس : البكوء : القلة ، وأصل ذلك من اللبن ، فقد جعل صفة الأنبياء قلة الكلام ، ولم يجعله من إيثار الصمت ومن التحصيل وقلة الفضول : قلنا ليس في ظاهر هذا الكلام دليل على أن القلة من عجز في الخلقة . وقد يحتمل ظاهر الكلام الوجهين جميعا ، وقد يكون القليل من اللفظ يأتي على الكثير من المعاني ، والقلة تكون من وجهين أحدهما من جهة التحصيل والإشفاق من التكلف وعلى البعد من الصنعة ومن شدة المحاسبة وحصر النفس ، حتى يصير بالتمرين والتوطين إلى عادة تناسب الطبيعة . وتكون من جهة العجز ، ونقصان الآلة ، وقلة الخواطر ، وسوء الاهتداء إلى جياد المعاني ، والجهل بمحاسن الألفاظ ، ألا ترى أن اللّه قد استجاب لموسى على نبينا وعليه
--> ( 1 ) السعف : أغصان النخل ما دامت بالخوص ، فإذا زال الخوص عنها قيل : جريد . ( 2 ) الحصر : امتناع الكلام وذهابه عمن يريده ، لعجز أو غيره .