مصطفى صادق الرافعي
204
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
إنما هو أساس منطقهم ، وعتاد لغتهم ، فكانوا سواء بالمعرفة به وفي الحاجة إليه ، من استوفاه منهم اتسقت له الفضيلة البينة ، ومن قصر فيه أخمله تقصيره حتى كأنما انطوت حقيقته العربية في فمه ، أو كأنما أكل نفسه . . ولهم في كل ذلك من البيان والصوت أخبار وأشعار لا حاجة بنا إلى تمثّلها وقصها . وهذا الذي أومأنا إليه من أمرهم ، هو السبب في أن كل من يتصافح في هذه العربية لا يعدو في جملة وسائله التي يستعين بها أن ينتحل سعة الشدق وتهدّل الشفة ، ويبالغ في استعمال جميع فمه على كل وجه ، يلتمس بذلك تحقيق الحروف ، وجهارة البيان ، وتفخيم الأداء ، ووزن المخارج ، إذ كانت هذه هي الدلائل الطبيعية على الفصاحة ، وهو أمر لا يستقيم له إلا إذا مط الكلام ومضغ الحروف وتفيهق « 1 » وكد حنجرته ، وجعل كل شدق من شدقيه كأنه فم وحده ، وذلك تكلف قد ذمه العرب وكرهوه ، وذمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وحذر منه « 2 » لأنه غير طبيعي فيمن يتكلفه ، وهو كذلك مبالغة تأباها طبيعة اللغة ، ولا تتفق مع أسبابها وعللها ، إذ تحيل هذه اللغة إلى السماحة وتستغرقها بصناعة الصوت ، وتنفي عنها طبيعة اللين والعذوبة ، وتجمع عليها تعقيد الصوت ، واستكراهه ، وجسأته ؛ وذلك كله في الذم والكراهة عندهم بسبيل من الصفات التي يعتدونها في عيوب المنطق ، خلقة كالتمتمة والفأفأة والرتّة ونحوها ، مما أحصيناه في موضعه من الجزء الأول من تاريخ آداب العرب ، أو تخلفا ، كالتنطع ، والتمطق ، والتفيهق « 3 » ، وما إليها . فكانت محاسن هذا الباب في النبي صلّى اللّه عليه وسلم طبيعة كما رأيت ، لأنها عن أسباب طبيعية ، وقد وصفوه مع ذلك بحسن الصوت « 4 » وهو تمامها وحليتها ، فإن هذه اللغة خاصة تجمل بذلك ما لا تجمل به سائر اللغات ، لما فيها من معاني الأوضاع الموسيقية في خفة الوزن ، وصحة الاعتدال ، وتمام التساوي ، وحسن الملاءمة ، فلا جرم كان منطقه صلّى اللّه عليه وسلم على أتم ما يتفق في طبيعة اللغة ويتهيأ لها إحكام الضبط وإتقان الأداء : لفظ مشبع ، ولسان بليل ، وتجويد فخم ، ومنطق عذب ، وفصاحة متأدية ، ونظم متساوق وطبع يجمع ذلك كلّه ، مع تثبّت وتحفظ وتبيين وترسّل وترتيل « 5 » .
--> ( 1 ) أي تكلم من أقصى فمه . ( 2 ) في الحديث الشريف : أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول : إياكم والتشادق ! . ( 3 ) مر آنفا معنى التفيهق ؛ أما التمطق : فهو ضم الشفتين ورفع اللسان إلى الغار الأعلى للفم . والتنطع : رمي اللسان إلى نطع الفم : أي الغار الأعلى ، وهو كالتمطق ؛ إلا أن هذا أبلغ منه وأوسع . ( 4 ) عن قتادة قال : ما بعث اللّه نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت ؛ وكان نبيكم صلّى اللّه عليه وسلم حسن الوجه حسن الصوت . ( 5 ) أي التمهل وتحقيق الحروف والحركات في النطق .