مصطفى صادق الرافعي
205
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وقد قالت عائشة رضي اللّه عنها : ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يسرد كسردكم هذا « 1 » . ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل ، يحفظه من جلس إليه . وفي رواية أخرى عنها أيضا : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يحدث حديثا لو عدّة العادّ لأحصاه . فأنت ترى أن هذا هو المنطق الذي يمر بالفكر قبل أن ينطق إلى الفم وأن العقل فيه من وراء اللسان فهو غالب عليه مصرّف له ، حتى لا يعتريه لبس ، ولا يتخونه نقص ، وليس إحكام الأداء وروعة الفصاحة وعذوبة المنطق وسلاسة النظم إلا صفات كانت فيه صلّى اللّه عليه وسلم عند أسبابها الطبيعية . كما مر آنفا . لم يتكلف لها عملا . ولا ارتاض من أجلها رياضة بل خلق مستكمل الأداة فيها ، ونشأ موفّر الأسباب عليها . كأنه صورة تامة من الطبيعة العربية . ولا تمنع أن يكون من فصحاء العرب من يشاركه فيها أو في بعضها : فإنها مظاهر للكلام لا غير ؛ وإنما الشأن الذي انفرد به صلّى اللّه عليه وسلم أنه منزه عن النقص الذي يعتري الفصحاء من جهتها أحيانا كثيرة وقليلة : لأنها طبيعية فيه ؛ ولأن من ورائها تلك النفس العظيمة الكاملة التي غلبت على كل أثر إنساني يصدر عنها ، حتى قرت أعمالها على نظام لا تعدّ فيه الفلتة ، ولا يؤخذ عليه مأخذ ، وحتى كأن كل عمل منها هو كذلك في أصل التركيب وطبع الخلقة وهذه خصوصية ينفرد بها الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، إذ هم أمثلة الكمال الإنساني في هذه الخليقة ، تنصبهم يد اللّه على طريق الحياة لتنتهي فيهم عصور وتبتدئ بهم عصور وليسددوا خطا العقل في تاريخه وهي من الجهة اللغوية مما انفرد به نبينا صلّى اللّه عليه وسلم في عربيته ، وما يمنعه منها وإنما أنزل القرآن بلسانه لسان عربي مبين . فهذا وجه الأمر وسبيله . وهذا فرق ما بينه صلّى اللّه عليه وسلم وبين الفصحاء ، من جهة إحكام المنطق وامتلائه ، فإن أحدهم يكون مهيأ لذلك من أصل الخلقة ؛ وبطبيعة النشأة بيد أن طباعه لا تتوافى إليه في كل منطق وفي كل عبارة ؛ بل ربما غلبت خصلة على أختها ، وربما تخاذلت طبيعة من طباعه وربما رك « 2 » لفظه لبعض الضعف في معناه فخرج من عادته في النطق به ، وربما اضطربت نفسه في حالة من الأحوال ، أو تراجع طبعه لسبب من الأسباب ؛ فيضطرب كلامه ، ويضطرب كذلك منطقه ، وربما نطق فأبان واستحكم ؛ حتى إذا مر في الكلام أو استفرغت الإطالة مجهوده ونزحت مادته ، رأيته يتعثر ويتهافت ، ورأيت منطقه وقد صرف عن وجهه واختلط وتهالك من الضعف ؛ وما على
--> ( 1 ) السرد : متابعة الكلام على الولاء والاستعجال به ، وقد يراد به أيضا جودة سياق الحديث ، فكأنه من الأضداد . ( 2 ) يراد باللفظ الركيك : ما ضعفت بنيته وقلت فائدته : واشتقاقه من الركة : وهي المطر الضعيف ، وقيل من الرك : وهو الماء القليل على وجه الأرض فانظر كيف خرج في كلامهم هذا المعنى .