مصطفى صادق الرافعي
201
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
بالجافي ولا المهين « 1 » ، يعظم النعمة وإن دقت لا يذم شيئا ، لم يكن يذم ذواقا « 2 » ولا يمدحه ، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها إذا أشار بكفه كلها ، وإذا تعجب قلبها ، وإذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غضّ طرفه ؛ جل ضحكه التبسم « 3 » ويفتر عن مثل حب الغمام » . انتهى . ولقد أفاضوا في تحقيق أوصافه صلّى اللّه عليه وسلم بأكثر من ذلك ألفاظا ومعاني ونقلوا الكثير الطيب من هذه الأوصاف الكريمة في كل باب من محاسن الأخلاق ، مما لا يتسع هذا الموضع لبسطه ، فتأمل أنت هذه الصفات واعتبر بعضها ببعض في جملتها وتفصيلها ، فإنك متوسم منها أروع ما عسى أن تدل عليه دلائل الحكمة ، وسمة الفضيلة ، وشدة النفس وبعد الهمة ، ونفاذ العزيمة ، وإحكام خطة الرأي ، وإحراز جانب الخلق الإنساني الكريم . وانظر كيف يكون الإنسان الذي تسع نفسه ما بين الأرض وسمائها وتجمع الإنسانية بمعانيها وأسمائها ، فهو في صلته بالسماء كأنه ملك من الأملاك ، وفي صلته بالأرض كأنه فلك من الأفلاك ، وما خص بتلك الصفات إلا ليملأ بها الكون ويعمّه ، ولا كان فردا في أخلاقه إلا لتكون من أخلاقه روح الأمة . وإذا رجعت النظر في تلك الصفات الكريمة واعتبرتها بآثارها ومعانيها رأيت كيف يكون الأساس الذي تبنى عليه فراسة الكمال في نوع الإنسان من دلالة الظاهر على الباطل ، وتحصيل الحقيقة النفسية التي هي بطبيعتها روح الإنسان في أعماله ، أو أثر هذه الروح ، أو بقية هذا الأثر ، فإذا تأملتها متسقة وتمثلتها قائمة في جملة النفس ، وأنعمت على تأمل صورها الكلامية التي تبعث الكلام وتزنه وتنظمه وتعطيه الأسلوب وتجمله بالرأي وتزيّنه بالمعنى ، فإنك ستجد من ذلك أبلغ ما أنت واجده من الأساليب العصبية في هذه اللغة وأشدها وأحكمها ، مما لا يضطرب به الضعف ، ولا تزايله الحكمة ولا تخذله الروية ، ولا يباينه الصواب ، بل يخرج رصينا غير متهافت ، متسقا غير متفاوت ، لا يغلب على النفس التي خرج منها ، بل تغلب عليه ، ولا تسترسل به المخيلة ، بل
--> ( 1 ) الدماثة : سهولة الخلق . والجفاء : غلظه . ( 2 ) هو ما يتذوق من الطعام . ( 3 ) كان صلّى اللّه عليه وسلم أكثر الناس تبسما وأطيبهم نفسا . ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب ، وقد تختلف الروايات في بعض ما مر من هذا الحديث الذي نقلناه ، فلم نر حاجة إلى إثبات الاختلاف أو الاستقصاء فيه وهو بعد مبسوط في كتبه كشرح المواهب للزرقاني ، وشرح الشفاء وغيرهما .