مصطفى صادق الرافعي
202
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
يضبطه العقل ، ولا يتوثب به الهاجس بل يحكمه الرأي ، ولا يتدافع من جهاته ، ولا يتعارض من جوانبه بل تراه على استواء واحد في شدة وقوة واندماج وتوفيق . وهذا هو الأسلوب العصبي الممتلئ الذي قلّما يتفق منه إلا القليل لأبلغ الناس وأفصحهم . وقلّما يكون أبلغ الناس وأفصحهم في كل دهر إلا عصبيا على تفاوت في نوع المزاج وحالته ؛ فإن من الأمزجة العصبي البحت ، والمنحرف إلى مزاج آخر ولكل من النوعين حالة قائمة بالكلام ، وصفة خاصة بالأسلوب . وبالجملة ، فإن النّدرة في الأساليب العصبية : أن تجد منها ما إذا أصبته موثق السرد متدامج الفقرة محبوك الألفاظ جيد النحت بالغ السبك - أن تجده مع ذلك رصينا متثبتا في نسق معانيه وألفاظه ، لا يتزيد بهذه ولا يتكثر بتلك : ولا يخالطه من فنون الأقاويل ما تستطيع أن تنفيه ، ولا يتولاه ما تتأتى إليه من وجه التخطئة ؛ وأن تجده بحيث يمتنع أن تقول فيه قولا ، أو تذهب فيه مذهبا ؛ وبحيث تراه من كل جهة متسايرا لا يتصادم ومطّردا لا يتخلف . ونحن فلسنا نعرف في هذه العربية أسلوبا يجتمع له مع تلك الحالة العصبية هذه الصفة ، ويكون سواء في الحدّة والرصانة ، مبنيا من الفكرة بناء الجسم من اللحم ، متوازنا في أعصاب الألفاظ وأعصاب المعاني ، يثور وعليه مسحة هادئة فكأنه في ثورته على استقرار : وتراه في ظاهره وحقيقته كالنجم المتقد : يكون في نفسك نورا وهو في نفسه نار . لسنا نعرف أسلوبا لأحد البلغاء هذه صفته ، على كثرة ما قرأنا وتدبرنا واستخرجنا ، وعلى أنه لم يفتنا من أقوال الفصحاء قول مأثور ، أو كلام مشهور إلا ما يمكن أن يجزئ بعضه من بعضه في هذه الدلالة ، فإنا لم نقرأ كلّ ما كتب عبد الحميد ، وابن المقفع ، والجاحظ ، وهذه الطبقة العصبية ، ولكنا قرأنا لهم كثيرا أو قليلا ، وبعض ذلك في حكم سائره ، لأن الأسلوب واحد والطريقة واحدة ، ومذهب الموجود هو مذهب المفقود - ولم نجد البتة في هذا الباب غير أسلوب أفصح العرب صلّى اللّه عليه وسلم فإن هذا الكلام النبوي لا يعتريه شيء مما سمينا لك آنفا ، بل تجده قصدا محكما متسايرا يشدّ بعضه بعضا وكأنه صورة روحية لأشدّ خلق اللّه طبيعة ، وأقواهم نفسا وأصوبهم رأيا ، وأبلغهم معنى ، وأبعدهم نظرا ، وأكرمهم خلقا ؛ وهذا وشبهه لا يتأتّى إلا بعناية من اللّه تأخذ على النفس مذاهبها الطبيعية ، وتتصرف بشدتها على غير ما يبعث عليها الطبع الحديد والخلق الشديد ، ويخرجها من كل أمر متكافئة متوازنة ، بحيث يظهر أثر النفس في كل عمل ، فيأتي وكأنه من ذلك نفس على حدة . . . ومن أولى بهذه العناية ممن يخاطبه اللّه تعالى بقوله : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً .