مصطفى صادق الرافعي
198
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
أسد ، ومهاجرته إلى بني عمرو ، وهم الأوس والخزرج من الأنصار ، لم يخرج عن هؤلاء في النشأة واللغة ؛ ولقد كان في قريش وبني سعد وحدهم ما يقوم بالعرب جملة ، ولذا قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا أفصح العرب ، بيد أني من قريش ، ونشأت في بني سعد بن بكر » « 1 » وهو قول أرسله في العرب جميعا ، والفصاحة أكبر أمرهم والكلام سيد عملهم ، فما دخلتهم له حميّة ، ولا تعاظمهم ، ولا ردّوه ، ولا غضّوا منه ، ولا وجدوا إلى نقضه سبيلا ، ولا أصابوا للتهمة عليه طريقا ، ولو كان فيهم أفصح منه لعارضوه به ، ولأقاموه في وزنه ، ثم لجعلوا من ذلك سببا لنقض دعوته والإنكار عليه ، غير أنهم عرفوا منه الفصاحة على أتم وجوهها وأشرف مذاهبها ورأوا له في أسبابها ما ليس لهم ولا يتعلقون به ولا يطيقونه ، وأدنى ذلك أن يكون قوي العارضة ، مستجيب الفطرة ، ملهم الضمير متصرف اللسان ، يضعه من الكلام حيث شاء ؛ لا يستكره في بيانه معنى ، ولا يندّ في لسانه لفظ ، ولا تغيب عنه لغة ، ولا تضرب له عبارة ، ولا ينقطع له نظم ، ولا يشوبه تكلف ولا يشق عليه منزع ، ولا يعتريه ما يعتري البلغاء في وجوه الخطاب وفنون الأقاويل ، من التخاذل ، وتراجع الطبع ، وتفاوت ما بين العبارة والعبارة ، والتكثر لمعنى بما ليس منه ، والتحيف لمعنى آخر بالنقص فيه ، والعلوّ في موضع والنزول في موضع ؛ إلى أمثال أخرى لا نرى العرب قد أقروا له بالفصاحة إلا وقد نزه صلّى اللّه عليه وسلم عن جميعها ، وسلم كلامه منها ، وخرج سبكه خالصا لا شوب فيه ، وكأنما وضع يده على قلب اللغة ينبض تحت أصابعه . ولو هم اطلعوا منه على غير ذلك ، أو ترامى كلامه إلى شيء من أضداد هذه المعاني ، لقد كانوا أطالوا في رد فصاحته وعرّضوا ، ولكان ذلك مأثورا عنهم دائرا على ألسنتهم ، مستفيضا في مجالسهم ومناقلاتهم ، ثم لردّوا عليه القرآن ولم يستطع أن يقوم لهم في تلاوته وتبيينه ، ثم لكان فيهم من يعيب عليه في مجلس حديثه ومحاضرة أصحابه ، أو ينتقص أمره ويغض من شأنه ، فإن القوم خلص لا يستجيبون إلا لأفصحهم لسانا ، وأبينهم بيانا ، وخاصة في أوّل النبوّة وحدثان العهد بالرسالة ، فلما لم يعترضه شيء من ذلك ، وهو لم يخرج من بين أظهرهم ، ولا جلا عن أرضهم ، ورأينا
--> ( 1 ) هم بنو سعد بن بكر « وقد ذكرهم في الجزء الأول في ( أفصح القبائل ) » وكانوا من العرب الضاربة حول مكة ، وكان أطفال القرشيين يتبدون فيهم وفي غيرهم يطلبون بذلك نشأة الفصاحة ، ولا يزال كبراء مكة إلى اليوم يرسلون أحداثهم إلى أماكن هذه القبائل من البادية ، وخاصة إلى قبيلة عدوان في شرق الطائف وهي قريبة من بني سعد ، وإنما يطلبون بذلك إحكام اللهجة العربية ، وصحة النشأة ، وحرية النزعة . وما إليها مما هو الأصل في هذه العادة يتوارثونها في التربية العربية من قديم . وبنو سعد هؤلاء ، غير بني سعد بن زيد مناة بن تميم الذين من لغتهم إبدال الحاء هاء لقرب المخرج ، وليست لغتهم خالصة في الفصاحة . والرواة جميعا على أن بني سعد بن بكر خصوا من بين قبائل العرب بالفصاحة وحسن البيان .