مصطفى صادق الرافعي
199
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
هذا الأمر قد استمر على سنته واطرد إلى غايته ، وقام عليه الشاهد القاطع من أخبارهم ، كما ستعرفه ، علمنا قطعا وضرورة أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان أفصح العرب ، وافيا بغيره ، كافيا من سواه ، وأنه في ذلك آية من آيات اللّه لأولئك القوم ، و كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . صفته صلّى اللّه عليه وسلم ليس في التاريخ العربي كله من جمعت صفاته وأحصيت شمائله وتواتر النقل بذلك جميعه من طرق مختلفة على توثق إسنادها - غير النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذا أصل لا يعدل به شيء في بيان حقائق الأخلاق ، والاستدلال على قوة الملكات ، واستخراج الصفات النفسية التي حصل من مجموعها أسلوب الكلام على هيئته وجهته ، وانفراد بما عسى أن يكون منفردا به ، أو شارك فيما عسى أن يكون مشاركا فيه ؛ وعلى هذه الجهة نأتي بطرف من صفته صلّى اللّه عليه وسلم . فعن الحسن بن علي ( رضي اللّه عنهما ) قال : سألت هند بن أبي هالة ، عن حلية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان وصّافا ، وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئا أتعلق به ، فقال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فخما مفخما ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع « 1 » وأقصر من المشذب « 2 » ، عظيم الهامة ، رجل الشّعر « 3 » إن انفرقت عقيقته فرق « 4 » وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره ، أزهر اللون ، واسع الجبين ؛ أزج الحواجب سوابغ من غير قرن « 5 » بينها عرق يدرّه الغضب ؛ أقنى العرنين « 6 » له نور يعلوه « 7 » ويحسبه من لم يتأمله أشمّ ؛ كث اللحية أدعج « 8 » ، سهل الخدين ضليع الفم ،
--> ( 1 ) المربوع ، والربعة : الرجل بين الطول والقصر ، لا بالطويل ولا بالقصير . ( 2 ) المشذب : البائن الطول في نحافة . ( 3 ) الشعر الرجل ( بكسر الجيم وسكونها تخفيفا ) : الذي كأنه مشط فتكسر قليلا ليس بسيط ولا جعد . ( 4 ) هي شعر الرأس ، والمراد إن انفرقت من ذات نفسها فرقها ، وإلا تركها معقوصة . ( 5 ) الحاجب الأزج : أي المقوس الطويل الوافر الشعر . والقرن : اتصال شعر الحاجبين ، وضد البلج . ( 6 ) الأقنى : السائل الأنف المرتفع وسطه . ( 7 ) رزق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الحشمة والمكانة في القلوب والعظمة ما لم يفارقه منذ نشأ ، فكان ذلك له عند الجاهلية وبعدها ، ولقد كانوا يكذبونه ويؤذون أصحابه ويقصدون أذاه في نفسه خفية ، حتى إذا واجههم أعظموا أمره وقضوا حاجته - وقد كان يبهت ويفرق لرؤيته من لم يره من قبل وربما أرعد فرقا . ( 8 ) الأدعج : الشديد سواد الحدقة .