مصطفى صادق الرافعي
191
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
ولو أنعمت على تأمل هذه الجهة لانكشف لك السبب الذي من أجله لا نرى في كل ما يؤثر عن أهل هذه اللغة قولا معجزا ، ولو اعترضت كثيرا وكثيرا من الجيّد الرائع في الكلام ، وقرنت بعضه إلى بعض ، وبلغت من البيان ما أنت بالغ ، لأن كل ذلك ليس من القرآن في نسق ولا طريقة ، وإن اتفق له منهما شيء اختلفت عليه منهما أشياء . بيد أنك تقرأ الآيات القليلة من هذا الكتاب الكريم ؛ فتراها في هذا النسق وتلك الطريقة بكل ما في اللغة ، لأنها متميزة بصفتها ، وبائنة بنسقها ؛ ومتى اعتبرنا الشيء بطريقته التي يغالى به من أجلها ، كان الترجيح عند المعادلة للطريقة نفسها ؛ فلا عجب أن ظهرت طريقة القرآن بالكلمات القليلة منها على جملة اللغة بما وسعت ، ولا بدع أن يكون التحدي من هذه الطريقة بمثل تلك الكلمات على قلتها ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا .
--> أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » . يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة ، وهو كونها نفس الوحي ، كان المصدق لها أكثر . ا ه - . قلنا : وهذا الحديث يجمع كل ما قدمناه من القول في إعجاز القرآن : لأنه وحي بمعانيه وألفاظه ، فهو بائن بنفسه من الكلام الإنساني ، ولا بد أن يكون فائدة للناس كافة ليعملوا ، وصادقا على الناس كافة ليستفيدوا ، ومعجزا للناس كافة ليصدقوا .