مصطفى صادق الرافعي
192
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
الخاتمة وبعد ، فلا بد لنا من التنبيه على أنّا في كل ما أسلفنا من القول في إعجاز القرآن أو الإشارة إلى بعض الوجوه المعجزة فيه ، إنما أجملنا تفصيلا ، وأتينا بما أتينا به تحصيلا ، فاكتفينا من ذلك بما يرشد إلى أمثاله ، واقتصرنا من كل وجه على أصل المعنى دون مثاله ؛ فإن القرآن الكريم ليس كتابا يتخيّر منه فيستجاد بعضه ، ويصفح عن بعضه ، إنما هو طريق مستبصر : من أين أخذت فيه نفذت ، ومن حيث تأديت به تهديت ، وهو في كل معنى مما قدمناه سننه القائم ، ومثاله الدائم . ولقد صدفنا عن كثير مما اعترضنا وكان لا بد من انبساط القول فيه واتساع المادة به ، مما لو تقصّيناه لطال وبلغ بالقارئ مبلغ الملال ، وعلى أنّا لو ذهبنا نستقصي في استخراج كل معنى على حدوده وجهاته ، ونستحمل النفس حاجة الشرح والتمثيل ، والموازنة والتعديل ، ونوسع هذا الباب اعتبارا ونظرا لخرجنا منه إلى ما يستنفذ العمر كله ، وإن كنا لا نهاون بالنفس ولا نرفق بها في العمل ؛ ولصرنا من بعد ذلك إلى فصل تعجز عنده المئونة ، ويقصر مقدار العقل دونه ، فإنما هو كتاب اللّه أحكمت آياته ثم فصلت من لدنه على حكمته وعلمه ، فإن نفذ من أسراره في النظم والنسق ، بقي ما وراء ذلك مما هو علة النظم والنسق ؛ وإن استطعنا القول في كيفية إجماله ، لم نستوعبه في كيفية تفصيله ، إنما طريقنا في كل ذلك دنوّ المأخذ ، وقرع الحجة ، وقليل من كثير ، وجهدنا فيه أن نلزم جانب الأصل اللغوي في الإعجاز حتى لا ندع أحدا على لبس من هذا الأمر ، الذي هو علة ما وراءه وله ما بعده ؛ وغايتنا منه أن نكشف عن أسرار المعجزة التاريخية التي بقيت إلى اليوم معضلة في تاريخ الأرض ؛ وهي تأليف العرب على تعاديهم وتنافرهم ، والزحف بهم على قلتهم وضعف وسائلهم ، وتوثبهم على فقرهم وغنى سواهم حتى اكتسحوا دولة الفرس ، والتحفوا على مملكة الروم ، وهما يومئذ الدنيا القديمة وهما العينان في رأس التاريخ ، وقد توافقت جيوشهما والتحمت في مواطن القتل ، وسعّروا الأرض نارا وحربا مدة ثلاثة قرون أو حول ذلك ؛ حتى استحكمت لهم صيغ الحروب ، واستجمعوا فيها الرأي من جهاته ، وكانت لهم الدّربة على قيادة الجيوش ، وكانوا أهل الرئاسة والنباهة في كل ما وصفناه . ولولا القرآن وما بسطناه من أمره في كل ما سلف ، وأنه على تلك الجهات المعجزة ، لما أدرك العرب في أمرهم دركا ، ولفاتهم من ذلك الفوت كله ، وإنما العرب نفوسهم وقرائحهم ، وإنما القرآن بلاغته وفصاحته ؛ وعلى هذا قوله تعالى في خطاب نبيه