مصطفى صادق الرافعي
185
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
الفرطة والندرة « 1 » وهذا فصل ما بين الكلام المعجز الذي يؤخذ من وراء النفس ، وبين غيره مما يكون بعضه من النفس وبعضه من اللسان . وعندنا أنه لا يمكن أن يتجه للباحث طريق الإعجاز المطلق أو يستقيم عليه ، إلا إذا تدبر القرآن على تلك الوجوه التي أشرنا إليها ؛ وقلب ألفاظه ومعانيه ، وعرف من أين تلوى عروة اللفظ ومن أين معقد المعنى ، فإن ذلك يدفع به لا محالة إلى القطع بأنه غير إنساني ، وأن ليس في طبع الإنسان أكثر من فهمه وما نشكّ على حال في أنها كانت هي طريقة العرب في الإحساس بإعجازه ، إذ ليس إلى الحقيقة غيرها من سبيل ، وهم كانوا أعرف بكلامهم وسننه ووجوهه ، وما يمكن أن يتفق في الطباع وما لا يتفق . وما أخطأ هذه الطريقة أحد إلا أخطأ وجه الإعجاز العربي ، وإلا فما بال كثير من بلغاء المتكلمين ، وما بال أهل العربية وفنونها ، وما بال أكثر علماء البلاغة نفسها - لا يهتدون في الحكم عليه إلى أبعد من أنه معجز بقوة الإيمان . . . ؟ وما إعجازه إلا في قوة تركيبه على ما بسطناه بحيث لا تقرن إليه قوة إنسانية إلا خرج عن طوقها ، وكان جهدها الذي تجهد كأنه في معارضته قوة من ضعف ، أو عفو من جهد القوي ، فكأنها لم تصنع شيئا فيما صنفت ، وجهدت وكأنها لم تجد . وليس شيء أقرب في الدلالة على ذلك لمن لم ينهض به طبعه ، أو كان لم يتيسر لهذا الأمر بأدواته ولا أوفى بغرضه - من أن يتأمل أمثلته في كل باب طبيعي من أبواب البلاغة العالية ، فإنه سيرى منها الباب كله ويرى ما عداها واقعا من دونه حيث وقع . فصل أحكام السياسة المنطقية على طريقة البلاغة وبقي سر من أسرار هذه البلاغة المعجزة نختم به الباب ، وهو شيء لا نراه يتفق إلا في القليل من كلام النوابغ المعدودين الذين يكون الواحد منهم تاريخ عصر من عصور أمته ، أو يكون عصرا من تاريخها ، وهو إحكام السياسة المنطقية على طريقة البلاغة لا على طريقة المنطق « 2 » فإن الفرق بين الطريقتين أن هذه المنطقية منها تأتي على
--> ( 1 ) أصل الفرطة : المرة الواحدة من الخروج ، والمراد بها الشذوذ . ( 2 ) رأينا لفيلسوف الإسلام القاضي أبي الوليد بن رشد المتوفى سنة 595 كلاما حسنا في آخر كتابه ( فصل المقال ) لم نر مثله لأحد من العلماء ، بيّن فيه كيف احتوى القرآن الكريم على طرق التعليم المنطقية بجملتها تصورا وتصديقا وقد عد الفيلسوف ذلك من إعجازه ، وهو وجه لو كان بسطه واستوفاه واستبرأ معانيه لجاء منه بكل عجيب ، غير أنه - رحمه اللّه - أشار إليه في الكلام إشارة وجاء به عرضا لا غرضا ونحن نستوفي هذه الفائدة من كتابنا بتحصيل كلامه .