مصطفى صادق الرافعي
186
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
أوضاع وأقيسة معروفة مكررة يسترسل بعضها إلى بعض ، ويراد بها إلزام المخاطب ليتحقق المعنى الذي قام به الخطاب ، إلزاما بالعقل لا بالشعور ، وبطبيعة السياق لا بطبيعة المعنى ، ومن أجل ذلك تدخلها المكابرة ، وتتسع لها المغالطة ، وتنتدح فيها
--> فقد دل على أن غاية الشرع تعليم العلم الحق والعمل الحق ، وأن التعليم صنفان : تصور وتصديق . وطرق التصديق الموضوعة للناس ثلاث : البرهانية ، والجدلية ، والخطابية . وللتصور طريقتان : إما الشيء نفسه ، وإما مثاله . ولما كان الناس لا يستوون في طباعهم ، ولا الطباع كلها سواء في قول البراهين والأقاويل الجدلية فضلا عن البرهانية ، وكانت غاية الشرع تعليم الناس جميعا - وجب أن يكون مشتملا على جميع أنحاء طرق التصديق وأنحاء طرق التصور ، وطرق التصديق منها عامة لأكثر الناس ، أي في وقوع التصديق من قبلها ، وهي الخطابية والجدلية - والأولى أعم من الثانية - ومنها خاص لأقل الناس وهي البرهانية ، ولما كان الشرع قد جعل قصده الأول العناية بالأكثر من غير إغفال لتنبيه الخواص ، كانت أكثر الطرق المصرح بها في الشريعة هي الطرق المشتركة للأكثر في وقوع التصور والتصديق . وهذه الطرق هي أربعة أصناف : الأول لا يقبل التأويل ، والثاني يقبل نتائج التأويل دون مقدماته ، والثالث عكس هذا يتطرق في التأويل إلى مقدماته دون نتائجه ، والرابع يتأوله الخواص وحدهم ، أما الجمهور فأخذه على ظاهره . فالناس إذن ثلاثة أصناف : صنف ليس من أهل التأويل أصلا ، وهم الخطابيون الذين هم الجمهور الغالب ، وصنف وهو من أهل التأويل الجدلي ، وهم الجدليون بالطبع فقط ، أو بالطبع والعادة ، وصنف هو من أهل التأويل اليقيني ، وهم البرهانيون بالطبع والصناعة ، أي صناعة الحكمة والمنطق . وليس الناس في طرق العلم كالطرق التي تثبت في الكتاب العزيز ( القرآن ) فإنه إذا تؤمل وجدت فيه الطرق الثلاث الموجودة في جميع الناس ، والطرق المشتركة لتعليم أكثر الناس والخاصة ، مما لا يوجد أفضل منه لتعليم الجمهور ، ثم انتهى الفيلسوف الكبير من ذلك بعد بسطه وبيانه بما لا يحتمله هذا الموضع - إلى أن الأقاويل الشرعية المصرح بها في الكتاب العزيز للجميع ، لها ثلاث خواص دلت على الإعجاز إحداها أنه لا يوجد في « مذاهب الكلام » أتم إقناعا وتصديقا للجميع منها ، والثانية أنها تقبل التصرف بطبعها إلى أن تنتهي إلى حد لا يقف على التأويل فيها - إن كانت مما فيه تأويل - إلا أهل البرهان ، والثالثة أنها تتضمن التنبيه لأهل الحق على التأويل الحق . ا ه - . قلنا : وليس في المنطق أعجب من أن يكون الكلام مبسوطا للجميع ، ثم هو نفسه مما يهدي الخاصة إلى تأويله ، ثم لا يكون في طبيعته الكلامية مع تصرفه إلا أن ينتهي إلى مقطع الحق من هذا التأويل دون أن يتعداه ، وقد لا يظهر التأويل الحق إلا بعد أزمان متطاولة ينضج فيها العقل الإنساني وتستجم آثاره وأدواته ، ومن ذلك ما ظهر في هذا العصر ؛ ومن أظهره قوله تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ وهي الآية التي أشار فيها إلى الطيران وإلى أنه سيكون ( للإنس ) ، ولم يتحقق تأويلها إلا منذ سنوات قليلة ، وقد مضى على نزول الآية ثلاثة عشر قرنا ونيف ، فإذا أضفت إلى ذلك كله أن هذه العجيبة المنطقية إنما تخرج من طريق البلاغة المعجزة على وجه الدهر - أدركت أن الأمر ليس إعجازا فحسب ، ولكنه إعجاز من ظاهره وباطنه . هذا وقد استخرج الإمام الغزالي ( المنطق ) من القرآن ، وليس هو منطق أرسطو ولكنه منطق العقل الإنساني .