مصطفى صادق الرافعي

177

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

على أنه لا يجد مع تلك الغرابة في أوضاع القرآن ، إلا ألفاظا مؤتلفة متمكنة ، التئام سردها وتناصف وجوهها ؛ لا ينازع لفظ واحد منها إلى غير موضعه ، ولا يطلب غير جهته من الكلام . ولعمري إن اتفاق هذا الإحكام العجيب مع غرابة الوضع ، لهو أغرب منها في مذهب البلاغة ، وأدخل في باب العجب ، ولولا أن الأمر إلهي ، ولا عجب من قدرة اللّه . وقد كان العرب إنما يركبون ألفاظهم في معاني مألوفة وعلى سنن معروفة فإن وقع فيها شيء غريب فلا يكون من ائتلاف اللفظ مع اللفظ وإنما يجيء من أبواب أخرى تتعلق بهيئة التركيب نفسه ؛ على ما عرف من جهات البلاغة وفنونها . وذلك شيء لا ينقض العرف ، بل يتهيأ مثله لكل من تسبب له وأخذ في طريقته ، وكثيرا ما اتفق للمتأخر فيه أبدع مما جاء به المتقدم ؛ لأنه أمر عموده الطبع ؛ وأسبابه في الاكتساب والتمرين ، والبراعة فيه بالتوليد والمحاكاة والتأمل ؛ وهذه ضروب كلما اتسعت أمثلتها اتسعت فنونها ، لاشتقاق بعضها من بعض ؛ وبها انتهت البلاغة في المتأخرين إلى ما انتهت إليه مما ذهب أكثره من علم المتقدمين في صدر اللغة . وتلك الغرابة التي أومأنا إليها ، وقد يتفق الشيء القليل منها لأفراد الفصحاء وأئمة البيان ، مما ينفذ فيه الطبع اللغوي ، والمنزع القويّ ، وهو من غرابة القريحة فيهم ؛ على أن ذلك لا يعدو كلمات معدودة : كقول امرئ القيس في الجواد : ( قيد الأوابد ) وقول أبي تمام في الرأي : ( وطن للنّهى ) ونحو ذلك من الكلمات الجامعة التي تتفق لفحول الشعراء والبلغاء ، مما هو في الحقيقة وضع لغوي مركب ، يشبه الوضع اللغوي في الكلمات المفردة ، فيتناول اللغة والبلاغة جميعا ، وتكون فضيلته في الجهتين . بيد أنك ترى جملة تراكيب القرآن من غرابة النظم ، على ما يشبه هذا الوضع في ظاهر الغرابة وترى فيه من البلاغة الجامعة خاصة أضعاف ما أنت واجده لأهل الله كلهم من الشعراء والخطباء والكتاب ، وهذا الضرب من البلاغة تحصى منه في كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما يرجح بكثير من الناس . ولكن لا يعمّهم ؛ وهو باب من أبواب بلاغته عليه الصلاة والسلام بل من أخصّ أبوابها . كما نبسطه في موضعه . ولا يذهبنّ عنك أن وضع الألفاظ المفردة إنما يقع في أزمان متطاولة وعصور متعاقبة . ولا يلبث اللفظ أن يوضع حتى يجري في الاستعمال ويستوفي وجوه التركيب التي يقلب عليها . فنزول القرآن في بضع وعشرين سنة . واجتماعه من سبع وسبعين ألف كلة ونيّف « 1 » ؛ بهذه التراكيب التي لم تعد للعرب في غرابة أوضاعها التركيبية ، وهم أهل الوضع والمتصرفون في اللغة بقياس القريحة وعلى أصل الفطرة - هو مما يحقق إعجازه الأبدي على وجه الدهر ، إذ يستحيل بتّة أن يتفق لغير أولئك العرب في باب ، إفرادا

--> ( 1 ) لا ندري كيف يمكن القول بأن القرآن كلام إنساني ، وهو قد تم في هذه المدة على طريقة معجزة