مصطفى صادق الرافعي
178
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وتركيبا على طرقه المعروفة « 1 » ما اتفق للعرب ، ولا بعضه ، ولا قليل من بعضه ، إلا إذا انشقت من لغتهم لغة أخرى على غير سننها وأصولها ، كما ترى في غرابة كثير من الأوضاع العامية في كل لهجة من لهجاتها ، لأن هذا الانشقاق وضع جديد جاء من تكييف المادة اللغوية على وجه غريب ، وإن كانت هذه المادة في نفسها قديمة . وكل العلماء قد مضوا على أن ألفاظ القرآن بائنة بنفسها ، متميزة من جنسها فحيثما وجد منها تركيب في نسق من الكلام ، دل على نفسه وأومأت محاسنه إليه ورأيته قد وشح ذلك الكلام وزيّنه وحرّك النفس إلى موضعه منه ؛ وهو بعد أمر واقع لا وجه للمكابرة فيه ، ولا نعرف له سببا إلا ما بيناه من الصفة الإلهية في معانيه ، وغرابة الوضع التركيبي في ألفاظه ، فإن ذلك يتنزل منزلة الوضع الجديد في الكلام المألوف ، فلا ينبئ الوضع الغريب عن نفسه بأكثر مما تدل عليه ألفة المأنوس الذي يحيط به . ومن أجل ذلك كله قلنا إن العرب أوجدوا اللغة مفردات فانية ، وأوجدها القرآن تراكيب خالدة ؛ وأن لهذه اللغة معاجم كثيرة تجمع مفرداتها وأبنيتها ، ولكن ليس لها معجم تركيبي غير القرآن . وإنما سميناه « المعجم التركيبي » لأنه أصل فنون البلاغة كلها فما يكون في المنطق العربي نوع بليغ إلا هو فيه على أحسن ما يمكن أن يتفق على جهته في الكلام ، وقد رأيناه في كل أنواع البلاغة يجنح إلى الوضع والتأصيل حتى أنك لو قابلت ما فيه من أمثلتها بأحسن ما استخرج العلماء من جملة كلام العرب ، لأصبت فرق ما بين ذلك في سمو الطبيعة اللغوية وأحكام البيان وانتظام محاسنه ، كالفرق الذي تكشفه المقابلة ما بين النبوغ والتقليد وللّه المثل الأعلى . ولقد كان هذا القرآن الكريم بما استجمع من ذلك ، هو ( علم البلاغة ) عند أولئك العرب الذين كانت البلاغة فيهم إحساسا محضا ، ثم صار من بعدهم بلاغة هذا العلم في المولدين ، وهو على ذلك ما بقيت الأرض ، فكان العرب يتلقّون عنه البلاغة بوجدان
--> يستوي أولها نزولا وآخرها في الاطراد والنظم والبلاغة والغرابة ، بحيث لا يستطيع إنسان أن يعين فيما بين دفتيه موضع تنقيح ، أو يومئ إلى جهة منها تهذيب ، أو يستخرج ما يدل منه على ضعف في نسقه واطراده ، أو لفظه ومعناه . ومتى عهد في تاريخ الأرض كله أن كلام إنسان من الناس يستمر على مثل هذه الطريقة بضعة وعشرين عاما ، ولا يكون أول ذلك إلا بعد أن يبلغ الأربعين ، ثم لا ينتقض ولا يضعف ولا تختلف طبقاته ولا يتفاوت أمره في كل هذه المدة ، مع اختلاف أحوال النفس وأمور الزمن ، ومع إحصاء كلامه وجمعه لفظة لفظة والذهاب به حفظا وتلاوة ، حتى لا يجد السبيل إلى تغيير كلمة واحدة بعد أن تفصل عنه ، وخاصة إذا اعتبرنا بالكلام صناعة البلاغة ، على نحو ما أومأنا إليه في تركيب القرآن ؟ لعمر اللّه ما نظن في الأرض عاقلا يستطيع أن يدل على إنسان هذه صفته ، إلا أن يخرج هذا الإنسان من الوهم ، ثم يحكم في أمره بغير فهم ، ويكون دليل عقله هذا من دليل جنونه . . . ! . ( 1 ) فصلنا هذه الطرق في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب .