مصطفى صادق الرافعي

165

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

و ( الأرجاء ) لم يستعمل القرآن لفظها إلا مجموعا وترك المفرد - وهو الرجا : أي الجانب - لعلة لفظه ، وأنه لا يسوغ في نظمه كما ترى . عكس ذلك لفظة ( الأرض ) ؛ فإنها لم ترد فيه إلا مفردة ، فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة في كل موضع منه ، ولما احتاج إلى جمعها أخرجها على هذه الصورة التي ذهبت بسر الفصاحة وذهب بها ، حتى خرجت من الروعة بحيث يسجد لها كل فكر سجدة طويلة ، وهي في قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ولم يقل : وسبع أرضين ؛ لهذه الجسأة التي تدخل اللفظ ويختل بها النظم اختلالا ، وأنت فتأمّل - رعاك اللّه - ذلك الوضع البياني ، واعتبر مواقع النظم ، وانظر هل تتلاحق هذه الأسباب الدقيقة أو تتيسر مادتها الفكرية لأحد من الناس فيما يتعاطاه من الصناعة ، أو بتكلفة من القول ، وإن استقصى فيه الذرائع ، وبالغ الأسباب ، وأحكم ما قبله وما وراءه . . ومن الألفاظ لفظة ( الآجرّ ) وليس فيها من خفة التركيب إلا الهمزة وسائرها نافر متقلقل لا يصلح مع هذا المدّ في صوت ولا تركيب على قاعدة نظم القرآن ، فلما احتاج إليها لفظها ولفظ مرادفها وهو ( القرمد ) « 1 » وكلاهما استعمله فصحاء العرب ولم يعرفوا غيرهما ، ثم أخرج معناها بألطف عبارة وأرقها وأعذبها ، وساقها في بيان مكشوف يفضح الصبح ، وذلك في قوله تعالى : وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً فانظر ، هل تجد في سرّ الفصاحة وفي روعة الإعجاز أبرع أو أبدع من هذا ؟ وأي عربي فصيح يسمع مثل هذا النظم وهذا التركيب ولا يملّكه حسّه ولا يسوّغه حقيقة نفسه ولا يجنّ به جنونا ولا يقول آمنت باللّه ربا وبمحمد نبيا وبالقرآن معجزة « 2 » ؟ وتأمل كيف عبّر عن الآجر بقوله : فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ وانظر موقع هذه القلقلة التي هي في الدال من قوله ( فأوقد ) وما يتلوها من رقة اللام ، فإنها في أثناء التلاوة مما لا يطاق أن يعبر عن حسنه ، وكأنما تنتزع النفس انتزاعا . وليس الإعجاز في اختراع تلك العبارة فحسب ، ولكن ما ترمي إليه إعجاز آخر ؛ فإنها تحقر شأن فرعون ، وتصف ضلاله ، وتسفّه رأيه ، إذ طمع أن يبلغ الأسباب أسباب

--> ( 1 ) وهو في العامية ( الطوب ) أي الطين المحرق الذي يبنى به . ( 2 ) الجمهور على أن القرآن دليل النبوة ، وهو الحق الذي لا ريب فيه . ولكن من المتكلمين من يرى غير ذلك ، كأبي إسحاق النظام ، فإنه قال : إن اللّه لم يجعل القرآن دليلا على النبوة وعلى هذا الأصل بنى قوله : إن الإعجاز كان بالصرفة - كما تقدم في موضعه - فما أصح ما نقلناه ثمة من قول الجاحظ فيه : لو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي قاس عليه ، كان أمره على الخلاف .