مصطفى صادق الرافعي

166

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

السماوات فيطلع إلى إله موسى ، وهو لا يجد وسيلة إلى ذلك المستحيل ولو نصب الأرض سلما ، إلا شيئا يصنعه هامان من الطين « 1 » . . . ! . وما يشذّ في القرآن الكريم حرف واحد عن قاعدة نظمه المعجز ؛ حتى إنك لو تدبرت الآيات التي لا تقرأ فيها إلا ما يسرده من الأسماء الجامدة ، وهي بالطبع مظنة أن لا يكون فيها شيء من دلائل الإعجاز ؛ فإنك ترى إعجازها أبلغ ما يكون في نظمها وجهات سردها ، ومن تقديم اسم على غيره أو تأخيره عنه ، لنظم حروفه ومكانه من النطق في الجملة : أو لنكتة أخرى من نكت المعاني التي وردت فيها الآية بحيث يوجد شيئا فيما ليس فيه شيء . تأمل قوله تعالى : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فإنها خمسة أسماء ، أخفها في اللفظ ( الطوفان والجراد والدم ) وأثقلها ( القمل والضفادع ) فقدم ( الطوفان ) لمكان المدين فيها ؛ حتى يأنس اللسان بخفتها ؛ ثم الجراد وفيها كذلك مد ؛ ثم جاء باللفظين الشديدين مبتدئا بأخفهما في اللسان وأبعدهما في الصوت لمكان تلك الغنة فيه ؛ ثم جيء بلفظة ( الدم ) آخرا ، وهي أخف الخمسة وأقلها حروفا ؛ ليسرع اللسان فيها ويستقيم لها ذوق النظم ويتم بها هذا الإعجاز في التركيب . وأنت فمهما قلّبت هذه الأسماء الخمسة ، فإنك لا ترى لها فصاحة إلا في هذا الوضع لو قدّمت أو أخرت لبادرك التهافت والتعثر ، ولأعنتك أن تجيء منها بنظم فصيح ، ثم لا ريب أحالك ذلك عن قصد الفصاحة وقطعك دون غايتها . ثم لخرجت الأسماء في اضطراب النطق على ذلك بالسواء ليس يظهر أخفها من أثقلها ؛ فانظر كيف يكون الإعجاز فيها ليس فيه إعجاز بطبيعته . وبهذا الذي قدمناه ونحوه مما أمسكنا عنه ولم نستقص في أمثلته لأنه أمر مطرد - تعرف أن القرآن إنما أعجز في اللغة بطريقة النظم وهيئة الوضع ولن تستوي هذه الطريقة إلا بكل ما فيه على جهته ووضعه ، فكل كلمة منه ما دامت في موضعها فهي من بعض إعجازه ، ومن هاهنا ينساق بنا الكلام إلى القول في النوع الثالث . الجمل وكلماتها والجملة هي مظهر الكلام ، وهي الصورة النفسية للتأليف الطبيعي ، إذ يحيل بها

--> ( 1 ) في التعبير حكمة أخرى جليلة : وتلك أن فرعون يريد أن يبني صرحا يبلغ به السماء فعبر بالإيقاد على الطين تهكما على فرعون ، لأن البناء في مثل هذا لا يزال يرتفع بلا نهاية ، وإعداد الآجر يجب أن يكون كذلك مستمرا باستمرار الإيقاد على الطين ، ثم تشعر العبارة أن النتيجة لا شيء ، فكأنه لم يخرج لا بناء ولا مبنيا به ، وما هو إلا البدء والاستمرار في البدء .