مصطفى صادق الرافعي
162
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
نظما مطردا ، ويهدف الكلمة الكلمة وينصب الحرف للحرف ، ويعصب الحركة بالحركة ، ويجري بعضا من بعض - فهذا إن أمكن أن يكون في كلام ذي ألفاظ ، فليس يستقيم في ألفاظ ذات معان ، فهو لغو من إحدى الجهتين ، ولو أن ذلك ممكن لقد كان اتفق في عصر خلا من ثلاثة عشر قرنا . ونحن اليوم في القرن الرابع عشر من تاريخ تلك المعجزة . وقد وردت في القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عدد حروف ومقاطع مما يكون مستثقلا بطبيعة وضعه أو تركيبه ، ولكنها بتلك الطريقة التي أومأنا إليها قد خرجت في نظمه مخرجا سريا ، فكانت من أحضر الألفاظ حلاوة وأعذبها منطقا وأخفها تركيبا ، إذ تراه قد هيأ لها أسبابا عجيبة من تكرار الحروف وتنوع الحركات ، فلم يجرها في نظمه إلا وقد وجد ذلك فيها ، كقوله : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف وقد جاءت عذوبتها من تنوع مخارج الحروف ومن نظم حركاتها ، فإنها بذلك صارت في النطق كأنها أربع كلمات ؛ إذ تنطق على أربعة مقاطع ، وقوله : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ فإنها كلمة من تسعة أحرف ، وهي ثلاثة مقاطع وقد تكررت فيها الياء والكاف ، وتوسط بين الكافين هذا المد الذي هو سر الفصاحة في الكلمة كلها . وهذا إنما هو الألفاظ المركبة التي ترجع عند تجريدها من المزيدات إلى الأصول الثلاثية أو الرباعية ، إما أن تكون اللفظة خماسية الأصول فهذا لم يرد منه في القرآن شيء ، لأنه مما لا وجه للعذوبة فيه ، إلا ما كان من اسم عرب ولم يكن في الأصل عربيا : كإبراهيم ، وإسماعيل ، وطالوت ، وجالوت ، ونحوها ؛ ولا يجيء به مع ذلك إلا أن يتخلله المد كما ترى ؛ فتخرج الكلمة وكأنها كلمتان . وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه ، وما حسنت في كلام قط إلا في موقعها منه ، وهي كلمة « ضيزى » من قوله تعالى : تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى « 1 » ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه ؛ ولو أردت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها ؛ فإن السورة التي هي منها وهي سورة النجم ، مفصلة كلها على الياء ؛ فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل ثم هي في معرض الإنكار على العرب ، إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد ، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات للّه مع أولادهم البنات « 2 » فقال تعالى : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها ، وكانت
--> ( 1 ) يقال : ضازه حقه وضامه ، أي منعه ونقصه ، فهي قسمة جائرة . والضيز : الجور . ( 2 ) أي دفنهن على الحياة ، كما كان من عادتهم .