مصطفى صادق الرافعي
163
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
الجملة كلها كأنها تصوّر في هيئة النطق بها الإنكار في الأولى والتهكم في الأخرى ؛ وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة ، وخاصة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل ، ووصفت حالة المتهكم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدّين فيها إلى الأسفل والأعلى ، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية . والعرب يعرفون هذا الضرب من الكلام ، وله نظائر في لغتهم ، وكم من لفظة غريبة عندهم لا تحسن إلا في موضعها ، ولا يكون حسنها على غرابتها إلا أنها تؤكد المعنى الذي سبقت له بلفظها وهيئة منطقها ، فكأن في تأليف حروفها معنى حسيا ، وفي تألف أصواتها معنى مثله في النفس ؛ وقد نبهنا إلى ذلك في باب اللغة من تاريخ آداب العرب . وإن تعجب فاعجب لنظم هذه الكلمة الغريبة وائتلافه على ما قبلها ، إذ هي مقطعان : أحدهما مدّ ثقيل ، والآخر مدّ خفيف ، وقد جاءت عقب غنتين في « إذن » و « قسمة » وإحداهما خفيفة حادة ، والأخرى ثقيلة متفشية ، فكأنها بذلك ليست إلا مجاورة صوتية لتقطيع موسيقي . وهذا معنى رابع للثلاثة التي عددناها آنفا ، أما خامس هذه المعاني فهو أن الكلمة التي جمعت المعاني الأربعة على غرابتها ، إنما هي أربعة أحرف أيضا . ثم الكلمات التي يظن أنها زائدة في القرآن كما يقول النحاة ، فإن فيه من ذلك أحرفا : كقوله تعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وقوله : فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً « 1 » فإن النحاة يقولون إن « ما » في الآية الأولى و « أن » في الثانية ، زائدتان ، أي في الإعراب . فيظن من لا بصر له أنهما كذلك في النظم ويقيس عليه ، مع أن في هذه الزيادة لونا من التصوير لو هو حذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته ، فإن المراد بالآية الأولى ، تصوير لين النبي صلّى اللّه عليه وسلم لقومه ، وإن ذلك رحمة من اللّه ، فجاء هذا المد في « ما » وصفا لفظيا يؤكد معنى اللين ويفخمه ، وفوق ذلك فإن لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية لا يبتدأ هذا المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق ، ثم كان الفصل بين الباء الجارة ومجرورها ( وهو لفظ رحمة ) مما يلفت النفس إلى تدبّر المعنى وينبه الفكر على قيمة الرحمة فيه ، وذلك كله طبعي في بلاغة الآية كما ترى . والمراد بالثانية تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف وبين مجيئه لبعد ما كان بين يوسف وأبيه عليهما السلام وأن ذلك كأنه كان منتظرا بقلق
--> ( 1 ) الضمير في « ألقاه » لقميص يوسف ، وفي « وجهه » ليعقوب عليهما السلام .