مصطفى صادق الرافعي

155

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

هذا على أنه ترسيل واتساق وتطويل ، لا يضبط بحركات وسكنات كأوزان الشعر فتجعل له بطبيعتها صفة من النظم الموسيقى ؛ ولا يخرج على مقاطع الكلمات التي تجري فيها الألحان وضروب النغم ، مما يسهل تأليفه ويكون أمره إلى الصوت وطريقة تصريفه وتوقيعه ، لا إلى أصوات الحروف ووجه تأليفها وتتابعها فيحسن مع أهل الصناعة وإن كانت حروفه غثة التركيب سمجة المخارج وكانت جافية كزة . حتى إذا صار إلى من لا يحسن أن يوقع عليه الصوت ويطرد له اللحن من غير حذّاق المغنين ، خرج أبرد كلام وأرذله وأسمجه ، وجاء وما تعرف من الكلال والفتور والتهالك في كلام أكثر مما تعرف منه . وبهذا الذي قدمناه يفسر قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « القرآن صعب مستصعب على من كرهه ؛ لأن كرهه لا يكون إلا زعما وتكلفا من اللسان ؛ فأيّما امرؤ سمعه أو فهمه أحبه وسوغه من شعوره ونفسه ؛ فمن أين تدخل الكراهة على النفس ولا سبيل إليها في الكلام إلى السمع والفؤاد ؟ . ولا يذهبن عنك أن الحروف لم تكن في القرآن على ما وصفنا بأنفسها دون حركاتها الصرفية والنحوية ، وليست هذه الحركات إلا مظاهر الكلم فمن هاهنا يستجر لنا القول في النوع الثاني من سر الإعجاز . الكلمات وحروفها والكلمة في الحقيقة الوضعية إنما هي صوت النفس ؛ لأنها تلبس قطعة من المعنى فتختص به على وجه المناسبة قد لحظته النفس فيها من أصل الوضع حين فصلت الكلمة على هذا التركيب . وصوت النفس أول الأصوات الثلاثة التي لا بد منها في تركيب النسق البليغ ، حتى يستجمع الكلام بها أسباب الاتصال بين الألفاظ ومعانيها ، وبين هذه المعاني وصورها النفسية ، فيجري في النفس مجرى الإرادة ، ويذهب مذهب العاطفة ، وينزل منزلة العلم الباعث على كلتيهما ، فإن البيان لا يؤلف أصواتا لرياضة الصدر بها وصلابة الحلق عليها ولكنه صور نفسية في الطبيعة وصور طبيعية في النفس ، فإذا لم يكن حيا ناطقا يلمح بعضه بعضا ، ولم يكن بتركيبه وطريقة نظمه كأنما يحمل من معناه للنفس مادة الإرادة أو الفكر لم يجد شيئا ، وانقطع به غرضه ، واستهلكه انصراف النفس عنه ، وصارت معانيه كأن ليس لها أصول فيها ، وكأنها مادة جامدة ، أو روح مادة ميتة ، بل هو ربما سفل إلى منزلة الإشارة التي هي اللغة الأولى منذ كان الإنسان يتكلم بحواسه ، والتي هي أضعف الكلام وأخفاه وأشد التباسا في مذاهب المعاني النفسية ، لأنها ( أي الإشارة ) باب من النطق الصامت ؛ كما أن ذلك لون من الصمت الناطق .