مصطفى صادق الرافعي
156
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
أما الأصوات الثلاثة التي أومأنا إليها فهي : ( 1 ) صوت النفس ، وهو الصوت الموسيقى الذي يكون من تأليف النغم بالحروف ومخارجها وحركاتها ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه على طريقة متساوقة وعلى نضد متساو ، بحيث تكون الكلمة كأنها خطوة للمعنى في سبيله إلى النفس ، إن وقف عندها هذا المعنى قطع به . ( 2 ) صوت العقل ، وهو الصوت المعنوي الذي يكون من لطائف التركيب في جملة الكلام ، ومن الوجوه البيانية التي يداور بها المعنى ، لا يخطئ طريق النفس من أي الجهات انتحى إليها . ( 3 ) صوت الحسّ ، وهو أبلغهنّ شأنا ، لا يكون إلا من دقة التصوّر المعنوي ، والإبداع في تلوين الخطاب ، ومجاذبة النفس مرة وموادعتها مرة ، واستيلائه على محضها بما يورد عليها من وجوه البيان ، أو يسوق إليها من طرائف المعاني ، يدعها من موافقته والإيثار له كأنها هي التي تريده وكأنها هي التي تحاول أن يتصل أثرها بالكلام ، إذ يكون قد استحوذ عليها وانفرد منها بالهوى والاستجابة . وعلى مقدار ما يكون في الكلام البليغ من هذا الصوت ، يكون فيه من روح البلاغة ، فإن خرج مما وقفت عنده الطباع النفسية فلم يكن في بعض الكلام مقدارا معينا تحسه في جهة وتفقده في جهة ، وتراه مرة ماثلا ومرة زائلا ، بل صار كأنه روح للكلام ذاته ، يبادرك الروعة في كل جزء منه كما تبادرك الحياة في كل حركة للجسم الحي - فقد خرج به ذلك الفن من الكلام إلى أن يكون خلقا روحيا ؛ وكأنه تمثيل بألفاظ لخلقة النفس ، في دقة التركيب وإعجاز الصنعة ومؤاتاة الطبعة المعنوية وما إليها وهيهات ، ليس يقدر على تمام ذلك الوضع إلا من قدر على تمام تلك الخلقة . ولو تأملت هذا المعنى فضلا من التأمل ، وأحسنت في اعتباره على ذلك الوجه ، لرأيته روح الإعجاز في هذا القرآن الكريم ، بحيث لو خلا منه لأشبه أن يكون إعجازه صناعيا عند العرب - أن بقي معجزا - ولو هم فقدوا فقدوا هذا المعنى من أكثره أو من أقله ، لقد كانوا وجدوا مذهبا فيه للقول ومساغا للرد ، ولظلوا في مرية منه ، ثم لسارت عنهم الأقاويل في معارضته واعتراضه . ذلك بأن صوت النفس طبيعي في تركيب لغتهم ، وإن كان فيها إلى التفاوت كمالا ونقصا ، وصوت الفكر لا يعجزهم أن يستبينوه في كثير من كلام بلغائهم ، أما صوت الحسن فقد خلت لغتهم من صريحه وانفرد به القرآن وقد كانوا يجدونه في أنفسهم منذ افتنوا في اللغة وأساليبها ولكنهم لا يجدون البيان به في ألسنتهم ؛ لأنه من الكمال اللغوي الذي تعاطوه ولم يعطوه ، وإنما كانوا يبتغون الحيلة إليه بألوان من العادات