مصطفى صادق الرافعي
146
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وبعد فأنت تعرف أن أفصح الكلام وأبلغه وأسراه وأجمعه لحرّ اللفظ ونادر المعنى ، وأخلقه أن يكون منه الأسلوب الذي يحسم مادة الطبع في معارضته ، هو ذلك الذي تريده كلاما فتراه نفسا حيّة ، كأنها تلقي عليك ما تقرؤه ممزوجا بنبرات مختلفة وأصوات تدخل على نفسك - إن كنت بصيرا بالصناعة متقدما فيها - كل مدخل ، ولا تدع فيها إحساسا إلا أثارته ، ولا إعجابا إلا استخرجته ، فلا يعدو الكلام أن يكون وجها من الخطاب بين نفسك ونفس كاتبه ، وتقرؤه وكأنك تسمعه ، ثم لا يلج إلى فؤادك حتى تصير كأنك أنت المتكلم به ، وكأنه معنى في نفسك ما يبرح مختلجا ولا ينفك ماثلا من قديم ؛ مع أنك لم تعرفه إلا ساعتك ، ولم تجهد فيه ، ولا اعتملت له وذلك بما جوّده صاحبه ، وبما نفث فيه من روحه ، وما بالغ في تصفيته وتهذيبه ، وما اتسع في تأليفه وتركيبه ، حتى خرج مطبوعا من أثر مزاجه وأثر نفسه جميعا فكأنه مادة روحية منه . وقد رأينا بلغاء هذه الطريقة في الأساليب العربية ، يتوخون إليها في تصاريف الألفاظ ، وتمكين الأسلوب ، وإرهاف الحواشي ، واجتناب ما عسى أن تبعث عليه رخاوة الطبع وتسمح النفس ، من حشو أو سفساف أو ضعف أو قلق ، ثم التوكيد للمعنى بالمترادفات المتباينة في صورها « 1 » ، ثم الاستعانة بالمعطوفات على النسق ، وبالإسجاع على الأسلوب ، وبوجوه الصنعة البيانية على كل ذلك ، فلا تقرأ سطرا من كلامهم إلا أصبت ماء ورونقا ، ولا تمر فيه حتى يقبل عليك بالصنعة من وجهها المصقول ، وحتى يبادرك أنه التنقيح والتهذيب بين الكلمة وأختها ، والجملة وضريبتها « 2 » وحتى لو كنت ذا بصر بالصناعة ، وقد عركتك وعركتها ؛ وكنت أملك بصعابها ، وأخبر بشعابها - لعرفت فضول الكلام كيف حذفت ، وألفاظه كيف نزّلت ، ومحاسنه كيف رصّعت ، ووجهه كيف مسح ، وخلقه كيف عصب ، ثم لاستطعت أن تعيّن في أي موضع من الكلام كانت زفرة الضجر من صانعه ، وعلى أي كلمة وقفت أنفاس الملل ، وعند أي مقطع كانت فترة الطبع ، وأين ضاق وأين اتسع ، وإن كان هذا الكلام الذي نحن في صفته كله بعد نسقا واحدا وصنعة مفرّغة ، يعلم ذلك من يعلمه ويجهله من يجهله . فانظر ، هل تحسّ شيئا من كل ما تقدم أو من شبه ما تقدم في أسلوب القرآن
--> ( 1 ) يعيب بعض علمائنا الجهلة المستحمقين ممن يسمون أنفسهم مجددين ما يرون في الكتابة العربية من الترادف . ولو كانوا عورا . . . للفتناهم إلى أن أصل الخلقة أن يكون في الوجه عينان لا عين واحدة ولكنهم قوم يجهلون . ( 2 ) ثبت أن كاتب فرنسا العظيم « أناتول فرانس » الذي كان آية في حسن الأسلوب الكتابي ، كان يبلغ من التنقيح أن يعيد كتابة العبارة ثماني مرات أحيانا ، وأنه لم يكن يكتب إلا على هذه الطريقة .