مصطفى صادق الرافعي
147
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
الكريم ؟ وهل ترى فيه من الغرابة التي يكسوها البلغاء كلامهم في تجويد رصفه وحبكه ، إلا أن غرابته في كونه منسجما لا غرابة فيه ؟ وهل عندك أغرب من هذه السهولة التي يسيل بها القرآن ، وهي في كثير من الكلام وكثير من أغراضه تقتضي الابتذال ، وفي القرآن كلّه على تنوع أغراضه لا تقتضي إلا الإعجاز ؟ . وانظر ، هل ترى هذه السهولة الغريبة في نفسها مما يمكن أن يحسّ فيها روح إنساني كسائر الأساليب ، أم هي سهولة الأوضاع الإلهية التي يعرفها كل الناس ويعجز عنها الناس كلهم ، ثم يعرف العلماء منها غير ما يعرفه الجهال ، ثم يمتاز بعض العلماء في المعرفة بها على بعض ، ثم يبقى فيها سر الخلق مع كل ذلك مكتوما لا يعرف ، وما هو سر الإعجاز ! . وتأمل ، هل تصيب في القرآن كله مما بين الدّفتين إلا رهبة ظاهرة لا تمويه في شيء منها ، وإلا أثرا من التمكن يصف له منزلة المخلوق من أمر الخالق ، وإلا روحا أكبر من أن يكون نفسا إنسانة أو أثرا من آثار هذه النفس ، ثم هل تجد في أغراضه إلا ما كان في وضعه مادة لتلك الرهبة ولذلك الأثر وذلك الروح ؟ . هذا على أن فيه من المعاني الكثيرة والأغراض الوافرة ، مما لو كان في كلام الناس لظهر عليه صبغ النفس الإنسانية لا محالة ، بأوضح معانيه وأظهر ألوانه ؛ وبصفات كثيرة من أحوال النفس ، وحسبك أن تأخذ قطعة منه في الموعظة والترغيب ، أو الزجر والتأديب ، أو نحو ذلك مما يستفيض فيه الكلام الإنساني ، فتقرنها إلى قطعة مثلها من كلام أبلغ الناس بيانا ، وأفصحهم عربية لترى فرق ما بين أثر المعنى الواحد في كلتا القطعتين ، ولتقع على مقدار ما بين الطبقة الإلهية والطبقة الإنسانية في السّعة والتمكن ، فإن هذا أمر لا تصف العبارة منه ، وإذا وصفت لا تبلغ من صفته ، ثم لا دليل عليه لمن يريد أن يستدلّ إلا الحسن . ومعنى آخر ، وهو أننا نرى أسلوب القرآن من اللين والمطاوعة على التقليب ، والمرونة في التأويل ، بحيث لا يصادم الآراء الكثيرة المتقابلة التي تخرج بها طبائع العصور المختلفة ، فهو يفسّر في كل عصر بنقص من المعنى وزيادة فيه ، واختلاف وتمحيص ، وقد فهمه عرب الجاهلية الذين لم يكن لهم إلا الفطرة ، وفهمه كذلك من جاء بعدهم من الفلاسفة وأهل العلوم ، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل ، وأثبتت العلوم الحديثة كثيرا من حقائقه التي كانت مغيّبة وفي علم اللّه ما يكون من بعد « 1 » ؛ وإن ما عهد من كلام الناس لا يحتمل كل ذلك ولا بعضه ، بل هو كلما كان أدنى إلى البلاغة كان نصا في معناه ، ثابتا في حيّزه ، تجمد الكلمة أو الجملة على
--> ( 1 ) انظر مثلا في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً فهذه الآية سمعها العرب ، فبعضهم يفهم من نسقها أن القمر نور والشمس نور ،