مصطفى صادق الرافعي
145
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
أنهم يحملون سر إخفاقهم ، وأن أحدهم إذا استطاع تعديل مزاجه على وجه من الوجوه الطبية ، ليكون بين مزاجين ، فقد يستطيع تعديل أسلوبه على وجه يكون وسطا بين أسلوبين . وهذا عبد الحميد الكاتب رأس تاريخ الكتابة العربية وواضع طريقتها ، فقد أخذ نفسه بحفظ كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وأرادها على طريقته ، ثم جاءت كتابته فنا آخر لم يستحكم اتفاق الأسلوب بينها وبين ما أثر من كلام الإمام علي ، وقد قيل إن « نهج البلاغة » « 1 » مصنوع ، وضعه الشريف الرضي ونجله أمير المؤمنين ، والصحيح أن فيه الأصيل والمولّد . وربما انفردا وربما تمازجا ، ونحن نستطيع بطريقتنا أن نزايل بين ما فيه من ذلك ، ونبين وضعا من وضع ؛ فإن المزاجين لمختلفان كما يعرف من صفة الإمام علي ومن صفة الشريف . من ذلك يخلص لنا أن القرآن الكريم إنما ينفرد بأسلوبه ، لأنه ليس وضعا إنسانيا البتة ، ولو كان من وضع إنسان لجاء على طريقة تشبه أسلوبا من أساليب العرب أو من جاء بعدهم إلى هذا العهد ، ولا من الاختلاف فيه عند ذلك بد في طريقته ونسقه ومعانيه وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ؛ ولقد أحسّ العرب بهذا المعنى واستيقنه بلغاؤهم ولولاه ما أفحموا ولا انقطعوا من دونه ، لأنهم رأوا جنسا من الكلام غير ما تؤديه طباعهم ، وكيف لهم في معارضته بطبيعة غير مخلوقة ؟ . ولما حاول مسيلمة أن يعارضه جعل يطبع على قالبه ، فجاء بشيء لا يشبهه ولا يشبه كلام نفسه ، وجنح إلى أقرب ما في الطباع الإنسانية وأقوى ما في أوهام العرب من طرق السجع ، فأخطأ الفصاحة من كل جهاتها ، وإن الرجل على ذلك لفصيح « 2 » . وما دامت قوة الخلق ليست في قدرة المخلوق ، فليس في قدرة بشر معارضة هذا الأسلوب ما دامت الأرض أرضا ، وهذا هو الصريح من معنى قوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً صدق اللّه العظيم .
--> ( 1 ) هو الكتاب الذي جمع فيه الشريف الرضي كلام سيدنا علي ، وفي صحة هذا الكتاب أو تزويره كلام للعلماء ليس هذا موضعه . ( 2 ) مما يثبت أن العرب قد أحسوا هذا المعنى الذي بيناه ، وأنهم كانوا يعرفون من طابع القرآن أنه ليس طبعا إنسانيا ، ما روي أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه وكان أنسب العرب وأعلمهم بلغاتها وأشعارها وأمثالها ، سأل أقواما قدموا عليه من بني حنيفة عن كلام مسيلمة وما كان يدعيه قرآنا ، فحكوا بعض ما نقلناه في موضعه فقال أبو بكر : سبحان اللّه ! ويحكم ! إن هذا الكلام لم يخرج عن إل ( أي عن ربوبية ) فأين كان يذهب بكم ؟ فتأمل قوله : « لم يخرج عن إل » فإنه نص فيما ذكرناه لأنه تراه أسلوبا من أساليب الناس ولا يحس منه قدرة فوق القدرة .