مصطفى صادق الرافعي

144

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

أو بليغ إلا وهو يعرف ذلك ويعدّ خروج القرآن من أساليب الناس كافة دليلا على إعجازه ، وعلى أنه ليس من كلام إنسان ، بيد أننا لم نر أحدا كشف عن سر هذا المعنى ، ولا ألم بحقيقته ، ولا أوضح الوجه الذي من أجله خالف أسلوب القرآن كلّ ما عرف من أساليب الناس ولم يشبه واحدا منها ، ونحن نوجز القول فيه لأنه أصل من أصول الكلام في أساليب الإنشاء ولبسطه موضع سيأتيك في بابه إن شاء اللّه « 1 » . فقد ثبت لنا من درس أساليب البلغاء ، وترداد النظر في أسباب اختلافها وتصفح وجوه هذا الاختلاف ، وتعرف العلل التي أثرت في مباينة بعضها لبعض ، من طبيعة البليغ وطبيعة عصره - أن تركيب الكلام يتبع تركيب المزاج الإنساني ، وأن جوهر الاختلاف بين الأساليب الكتابية ، في الطريقة التي هي موضع التباين لا في الصنعة كالمحسنات اللفظية ونحوها - إنما هو صورة الفرق الطبيعي الذي به اختلفت الأمزجة بعضها عن بعض على حسب ما يكون فيها أصلا أو تعديلا ؛ كالعصبي البحت ، والعصبي الدموي ، وغير ذلك مما هو مقرر في الفروع الطبية ، حتى كأن الأسلوب في إنشاء كل بليغ متمكن ليس إلا مزاجا طبيا للكلام ، وما الكلام إلا صورة فكرية من صاحبه . وقد أمعنا في هذا الاستنتاج ، وقلبنا عليه كلّ ما نقرؤه من أساليب العربية - وهي معدودة - ومررنا على ذلك زمنا ، حتى صار لنا أن نستوضح أكثر أوصاف الكاتب من أسلوب كتابته ، برد ذلك إلى الأوصاف النفسية التي تكون من تأثير الأمزجة « 2 » والتي قلما تتخلف في الناس ، وبها أشبه بعضهم بعضا ، وبها كان التاريخ يعيد نفسه . وأنت تتبين هذه الحقيقة إذا عرفت أديبا ليمفاوي المزاج مثلا ، وأردته على أن يأخذ في أسلوب كأسلوب الجاحظ ، وهو من أدق الأساليب العصبية . فإنه لا يصنع شيئا ، وإذا نتج له كلام على هذه الطريقة فلا يجيء إلا مضطربا متعثرا مطبقا بأبواب التعسف والتكلف ، وكأنه نتاج بين نوعين متباينين من الخلق ؛ ولكن هذا الأديب عينه إذا أخذ في طريقة السجع أو الترسّل المتداخل الذي ليس حذرا ولا مساوقة كترسّل الجاحظ وأضرابه - فقد لا يتعلق بجيّده في ذلك شيء . ولا يزال بيننا أدباء وعلماء بالبلاغة ووجوه الكلام يعجبون كيف لا يتهيأ لأحدهم أسلوب كأسلوب ابن المقفع أو عبد الحميد أو سهل بن هارون أو الجاحظ ، وكيف لا تستقل له طريقة من ذلك على كثرة ما حاولوا من تقليده والأخذ في ناحيته ؛ ولا يدرون

--> ( 1 ) في باب الإنشاء من تاريخ آداب العرب إذا وفقنا اللّه لإتمام هذا الكتاب ويسر لنا الوقت بعونه وتيسيره . ( 2 ) يستدلون في أوروبا من الإنسان على طباعه . فبالكتابة أولى .