مصطفى صادق الرافعي
143
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
فالمعجز من هذه الصور الفكرية بإحدى الخصائص كنظم القرآن معجز إلى الأبد ، متى ذهب أهل هذه الخصوصية التي كان بها الإعجاز ، كالعرب أصحاب الفطرة اللغوية والحسّ البياني الذين صرّفوا اللغة وشققوا أبنيتها وهذبوا حواشيها وجمعوا أطرافها واستنبطوا محاسنها ، وكانوا يستملون ذلك من أسرار الطبيعة في أنفسهم ، وأسرار أنفسهم في الطبيعة ؛ ثم ذهبوا وبقيت اللغة في أصولها وأبنيتها وطرق وضعها ومحاسن تأليفها على ما تركوها . وإن العصر الطويل من عصورها ليدبر عنها كما يموت الرجل الواحد من كتّابها أو شعرائها ليس لأحدهما من الأثر في تلك الخصائص أكثر مما للآخر ، على تفاوت ما بين العصر الطويل بحوادثه وأهله ، وبين الرجل الفرد في خاتمة نفسه . وذلك لأن الفطرة التي كانت تصرّفها قد ذهبت ، وانقطعت من الزمن أسباب الطبيعة ، فليس يمكن أن تعود أو تتفق ، إلا إذا استدار الزمن كيوم خلق اللّه السماوات والأرض ، وعاد التاريخ الإنساني من أوله ، أو بعث أولئك العرب أنفسهم نشأة أخرى ، بأيامهم وعاداتهم وأخلاقهم وسائر ما كان لهم من أسباب الفطرة . وإذا وقع هذا الأمر كله ولم يعد في الفرض من مستحيل ، فكل ما هنالك أن إعجاز القرآن الكريم لا ينتهي من الأبد ولكنه يبتدئ في أولئك العرب مرة أخرى إلى الأبد . . وفي القرآن مظهر غريب لإعجازه المستمر ، لا يحتاج في تعرّفه إلى روية ولا إعنات ، وما هو إلا أن يراه من اعترض شيئا من أساليب الناس حتى يقع في نفسه معنى إعجازه ؛ لأنه أمر يغلب على الطبع وينفرد به فيبين عن نفسه بنفسه ، كالصوت المطرب البالغ في التطريب : لا يحتاج امرؤ في معرفته وتمييزه إلى أكثر من سماعه . ذلك هو وجه تركيبه ، أو هو أسلوبه ، فإنه مباين بنفسه لكل ما عرف من أساليب البلغاء في ترتيب خطابهم وتنزيل كلامهم ، وعلى أنه يؤاتي بعضه بعضا ، وتناسب كل آية منه كلّ آية أخرى في النظم والطريقة ، على اختلاف المعاني وتباين الأغراض ، سواء في ذلك ما كان مبتدأ به من معانيه وأخباره وما كان متكررا فيه ، فكأنه قطعة واحدة ، على خلاف ما أنت واجده في كلام كل بليغ من التفاوت باختلاف الوجوه التي يصرفه إليها ، والعلو في موضع والنزول في موضع ، ثم ما يكون من فترة الطبع ومسحة النفس في جهة بعث عليها الملل ، أو جهة استؤنف لها النشاط ، ثم ما لا بدّ منه من الإجادة في بعض الأغراض والتقصير في بعضها ، مما يختلف البلغاء في علمه والإحاطة به ، أو التأتي له والانطباع عليه ؛ وهذا كله معروف متظاهر في الناس لا يمتري فيه أحد . وليس من شيء في أسلوب القرآن ويغضّ من موضعه ، أو يذهب بطريقته أو يدخله في شبه من كلام الناس ، أو يردّه إلى طبع معروف من طباع البلغاء ، وما من عالم