مصطفى صادق الرافعي
142
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
إرادة الطوال بالمعارضة ، وإن أرادوا مثل النظم أو لم يريدوه ، على أن المعارضة لا تكون شيئا يسمى ، ما لم تكن بمثل النظم والأسلوب ؛ أما النظم فقد علمت وجه استحالته ، وأما الأسلوب فستعلم وجه الأمر فيه . . . وهذه الطّوال ، فكل آية منها في الاستحالة على المعارضة تقوم بما في السور القصار كلها ، لتحقيق وجه النظم وأسرار التركيب واستفاضة ذلك وترادفها بما هو مقطعة للأمل ، ومن تعلق الآية بما قبلها ، وتسبّبها لما بعدها ؛ وظهورها في جملة النسق ، فأين يجول الرأي في هذا كله ومن أين يستطرد ؟ . وسبيل نظم القرآن في إعجازه سبيل هذه المعجزات المادية التي تجيء بها الصناعات ، وكثيرة ما هي ، إلا في شيء واحد وهو في القرآن سرّ الإعجاز إلى الأبد ، وذلك أن معجزات الصناعة إنما هي مركبات قائمة من مفردات مادية ، متى وقف امرؤ من الناس على سرّ تركيبها ووجه صنعتها فقد بطل إعجازها بخلاف الكلام الذي هو صور فكرية لا بد من أوضاعها من التفاوت على حسب ما يكون من اختلاف الأمزجة والطباع وآثار العصور - ولا نجزئ فيها الصناعة وآلاتها - من صفاء الطبع ودقة الحسّ وسلامة الذوق ونحوها مما يرجع أكثره إلى الفطرة النفسية في أي مظاهرها .
--> على حرف واحد أو حرفين أو حروف قليلة متقاربة فلا يستظهر الطفل بعض هذه السور حتى يلتئم نظم القرآن على لسانه ، ويثبت أثره في نفسه ، فلا يكون بعد إلا أن يمر فيه مرا ، وهو كلما تقدم وجده أسهل عليه ، ووجد له خصائص تعينه على الحفظ وعلى إثبات ما يحفظ كما سنشير إليه في موضع آخر ، فهذا معنى من قوله تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وهي لعمر اللّه رحمة وأي رحمة . وإذا أردت أن تبلغ عجبا من هذا المعنى ، فتأمل آخر سورة في القرآن وأول ما يحفظه الأطفال ، وهي سورة قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وانظر كيف جاءت في نظمها وكيف تكررت لفظة الفاصلة وهي لفظة ( الناس ) وكيف لا ترى في فواصلها إلا هذا الحرف ( السين ) الذي هو أشد الحروف صفيرا وأطربها موقعا من سمع الطفل الصغير وأبعثها لنشاطه واجتماعه ، وكيف تناسب مقاطع السورة عند النطق بها تردد النفس في أصغر طفل يقوى على الكلام ، حتى كأنها تجري معه وكأنها فصلت على مقداره . وكيف تطابق هذا الأمر كله من جميع جهاته في أحرفها ونظمها ومعانيها ، ثم نظر كيف يجيء ما فوقها على الوجه الذي أشرنا إليه . وكيف تمت الحكمة في هذا الترتيب العجيب . وهذه السور القصار لو لم تكن في القرآن الكريم كلها أو بعضها ما نقصت شيئا من خصائصه في الإعجاز ، ولكن عسى أن يكون الأمر في حفظه على غير ما نرى إذا هي لم تكن فيه . فتبارك اللّه سبحانه ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا . ويضاف إلى هذه الحكمة فائدة أخرى . وهي تيسير القرآن وأداء الصلاة على العامة ، فإنهم لولا هذه السور لتركوا الصلاة جميعا إذ لا تصح الصلاة إلا بآيات مع الفاتحة ؛ وقد أغنتهم القصار ويسرت عليهم فكانت على ما تضمنته وحفلت به معجزة اجتماعية كبرى .