مصطفى صادق الرافعي

14

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

لقد حار العلماء في كشف حجب البيان عن وجوه إعجاز القرآن ، وبعد أن ثبتت عندهم بالوجدان والبرهان ، حتى قال بعضهم إن اللّه تعالى قد صرف عنه قدر القادرين على المعارضة بخلق العجز في أنفسهم وألسنتهم ، وذلك أن إدراك كنه العجز والإحاطة بأسبابه وأسراره ضرب من ضروب القدرة والمقام مقام عجز مطلق ، فالقرآن في البيان والهداية كالروح في الجسد والأثير في المادة . والكهرباء في الكون : تعرف هذه الأشياء بمظاهرها وآثارها ، ويعجز العارفون عن بيان كنهها وحقيقتها ، وفي وصف ما عرف منها أو عنها لذة عقلية لا يستغنى عنها . كذلك ما عرف من أسباب عجز العلماء والبلغاء على الإتيان بسورة مثل سور القرآن في الهداية والأسلوب أو حسن البيان ، فيه لذات عقلية وروحية وطمأنينة ذوقية وجدانية ، تتضاءل دونها شبهات الملحدين وتنهزم من طريقها تشكيكات الزنادقة والمرتابين . فالكلام في وجوه إعجاز القرآن واجب شرعا ، وهو من فروض الكفاية وقد تكلم فيه المفسرون والمتكلمون . وبلغاء الأدباء المتأنقون ، ووضع الإمام عبد القاهر الجرجاني مؤسس علم البلاغة كتابيه ( أسرار البلاغة ) و ( دلائل الإعجاز ) لإثبات ذلك بطريقة فنية ، وقواعد علمية ، وصنف بعض العلماء كتبا خاصة فيه اشتهر منها كتاب ( إعجاز القرآن ) للقاضي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار والمتكلمين في عصره ، لأنه طبع مرتين أو أكثر ، فإن كان ذلك قد وفى بحاجة الأزمنة التي صنعت فيها تلك الكتب فهو لا يفي بحاجة هذا الزمان ، إذ هي داعية إلى قول أجمع وبيان أوسع ، وبرهان أنصع في أسلوب أجذب للقلب ، وأخلب للب ، وأصغى للأسماع ، وأدنى إلى الإقناع . استوى إلى هذا وانتدب له الأديب الأروع ، والشاعر الناثر المبدع ، صاحب الذوق الرقيق ، والفهم الدقيق ، الغواص على جواهر المعاني الضارب على أوتار مثالثها والمثاني ، صديقنا الأستاذ ( مصطفى صادق الرافعي ) فصنف في إعجاز القرآن سفرا لا كالأسفار ، أتى فيه - وهو الأخير زمانه - بما لم تأت به الأوائل ، فكان مصداقا للمثل السائر « كم ترك الأول للآخر » . ناهيك بمنثور لآلئه في نظم القرآن العجيب ، وأسلوبه المباين لجميع الأساليب ، فلا هو مرسل طلق العنان كالنوق المراسيل ، يتعاصى على ترسل التجويد ونغمات الترتيل . ولا هو مسجوع كسجع الكهان ولا شعر تلتزم فيه القوافي والأوزان . ومن آياته القصار ذات الكلمة المفردة والكلمتين والكلمات ،