مصطفى صادق الرافعي
15
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
والوسطى المؤلفة من جمل مثنى وثلاث ورباع ، الطولى منها لا تتجاوز سطورها جمع القلة ، وأطولها آية الدين ، فقد تجاوزت مائة كلمة ، وكل نوع يؤدي بالترتيل اللائق به ، المعين على تدبره . وإني على شهادتي للرافعي بأنه جاء في هذا المقام بما تجلت به مباين الإعجاز ومواضحه وأضاءت لوائح الحق فيه وملامحه ، وددت لو مد هذا البحث مد الأديم ، بل أمد بحيرات نيله بجداول الغيث العميم ، فعم فيضانه الفروق بين نظم الآيات في طولها وقصرها ، وقوافيها وفواصلها ، ومناسبة كل منها لمواضيع الكلام ، واختلاف تأثيره في القلوب والأحلام « 1 » . كلفني المصنف - أيد اللّه به اللغة والدين - أن أكتب ثلاث صفحات أو أربعا أعرض بها كتابه هذا على القارئين ، وأنّى لي بإيجاز الكتاب المنزل ، ولا سيما قصار سور المفصل ، فأعد في هذه الصفحات عناوين أبوابه وفصوله ، دع ما فيها من غرر مباحثه وحجوله ، إذ لست أملك من الاستجابة له فوق ما تقدم إلا أن أنصح لقراء العربية عامة والمسلمين خاصة ولطلاب العلم منهم على الأخص : بأن يقرءوا هذا الكتاب ، بغية الاستعانة على النبوغ في بلاغة لغتهم ، والتفقه في كتاب اللّه تعالى ، وتعرف الشيء الكثير من أسرار إعجازه ، مما لا يجدونه في غيره . قال شيخنا الأستاذ الإمام رحمه اللّه تعالى : « إن لكلام اللّه تعالى أسلوبا خاصا يعرفه أهله ومن امتزج القرآن بلحمه ودمه ، وأما الذين لا يعرفون منه إلا مفردات الألفاظ وصور الجمل فأولئك عنه مبعدون » . وقال أيضا : « فهم كتاب اللّه تعالى يأتي بمعرفة ذوق اللغة ، وذلك بممارسة الكلام البليغ منها » . وقال في وصف من امتزج القرآن بدمه ولحمه حاكيا عن نفسه : « إني عندما أسمع القرآن أو أتلوه أحسب أني في زمن الوحي ، وأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ينطق به كما أنزل عليه - أو نزل به عليه - جبريل عليه السلام » وبهذا امتاز الأستاذ الإمام - رحمه اللّه تعالى - على الأقران إن كان له أقران « 2 » .
--> ( 1 ) قلنا سيكون هذا إن شاء اللّه غرض كتاب برأسه في ( أسرار الإعجاز ) والنية معقودة عليه من قديم ، كما أشرنا إليه في هذا الكتاب ، فاللهم عونك وتيسيرك . ( 2 ) انظر وصفنا للأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه اللّه - في آخر كتابنا ( السحاب الأحمر ) .