مصطفى صادق الرافعي
139
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
العرب ، فإن الخطاب يقع إليهم على سنن كلامهم من الحذف ، والقصد إلى الحجة ، والاكتفاء باللمحة الدالة ، وبالإشارة الموحى بها ، وبالكلمات المتوسمة ، وما يجري هذا المجرى ، وهو قول صحيح في الجملة « 1 » بيد أنهم أخطئوا وجه الحكمة فيه ؛ فإن اليهود لم يكونوا من الغلظة والجفاء والاستكراه بحيث وصفوهم ، أو بحيث يجوز ذلك في صفتهم ، وإن فيهم لمتكلمين ، وإن منهم لشعراء والخطاب في القرآن كان يسمعه العرب واليهود جميعا ، فلا هؤلاء ينكرون من أمره ولا أولئك . ونحن فما ندري كيف نبلغ صفة هذا الوجه المعجز الذي غاب عن العرب ولم يدركه إلا المقصودون به ، وهم الذين وصفوهم بتأخر المعرفة وبلادة الذهن ، وهم أحبار اليهود ورؤساؤهم وأهل العلم فيهم ، وما يمكن أن يهتدي إلى هذا الوجه بليغ عربيّ من بلغاء ذلك العهد إلا بوحي وتوفيق من اللّه ، فإنه في الحقيقة سر من أسرار الأدب العبراني ، جرى القرآن عليه في أكثر خطابهم خاصة ليعلموا أنه وضع غير إنساني ، وليحسّوا معنى من معاني إعجازه فيما هم بسبيله ، كما أحس العرب فيما هو من أمرهم ؛ إذ كان أبلغ البلاغة في الشعر العبراني القديم أن تجتمع له : رشاقة العبارة ، وحسن المغرض ، ووضوح اللفظ ، وفصاحة التركيب ، وإبانة المعنى ، وتكرار الكلام لكل ما يفيده التكرار وتوكيدا ومبالغة وإبانة وتحقيقا ونحوها ، ثم استعمال الترادف في اللفظ والمعنى ، ومقابلة الأضداد وغيرها ، مما هو في نفسه تكرار آخر للمحسّنات اللفظية ، وتحسين للتكرار المعنوي . وإنا لنظن أن تهمة النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأنه شاعر لم تكن ابتداء إلا من قبل بعض اليهود . ثم تعلق بها بعض العرب مكابرة ، فإنهم ليعرفون أن القرآن ليس بشعر من شعرهم ، ولا هو في أوزانه وأعاريضه وفنونه وطرقه ، ولكنهم تجوزوا إلى ذلك ببراعة العبارة ، وسمو التركيب ، وتصوير الإحساس اللغوي بألوان من المجاز والاستعارة والكناية وغيرها مما يكون القليل من جيّده خاصا بالفحل من شعرائهم . ويكون مع ذلك حقيقة الإحساس اللغوي في شعره ، وأين هذا الوجه البعيد الذي لا يستقيم في الرأي إلا بعد التمحل له ، والتجوّز فيه من قولهم إنه ( شاعر ) ؟ ولفظ الشاعر عندهم متعين المعنى متحقق الدلالة ليس فيه لبس ولا إبهام ولا تجوّز « 2 » ؟ .
--> ( 1 ) كان في اليهود شعراء فصحاء : كالسموأل وكعب بن الأشرف وغيرهما . وكان لشعر اليهود باب متميز في الرواية بعد الإسلام . والعرب لا يعدون اليهود منهم وإن كانت الدار واحدة . ( 2 ) سنكشف عند الكلام على البلاغة النبوية عن السبب الصحيح الذي من أجله لم يكن النبي صلّى اللّه عليه وسلم شاعرا وما ينبغي له الشعر ولا يلتئم على لسانه ، وهو الذي خبط فيه العلماء والمفسرون . وقد أراد الجاحظ أن يقابل معاني التسمية الشعرية فيما عند العرب بما في القرآن فقال : سمى اللّه تعالى