مصطفى صادق الرافعي

140

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

على أن كلامنا آنفا في عجز العرب عن معارضة السورة القصيرة من القرآن ، وعدم تأتيهم لذلك بالسبب الذي بيّناه ، لا يؤخذ من أن غير العرب المحدثين والمولّدين وسائر من يكونون عربا في اللسان دون الفطرة ، يستطيعون ما لم يأت لأولئك ؛ إذ كانوا دونهم ، ليس لهم إحساس لغوي تستبدّ به روعة الكلام وتصرفه بالكثير عن القليل لتمثل الأصل اللغوي الذي ينبغي أن يكون عليه الوضع والبناء ، والذي هو في نفسه حقيقة الإعجاز لأنه سر التركيب والنظم . فيقال من ذلك إن المولّدين ومن في حكمهم تتهيأ لهم معارضة السور القصار والآيات القليلة ، ويتأتون إلى ذلك بالصنعة وما ألفوه من إحكام الرصف وإدماج الكلام والتغلغل في طرائق الإنشاء والتوفر على تحسين بهجته وتزيين ديباجته ، فإنهم مع هذه الوسائل كلها أبعد من العرب في أسباب العجز ، وأدنى إلى التقصير ، وأقرب إلى الهجنة إذا هم تعاطوه ؛ لأن أحدهم إذا قابل كلمات الآية أو السورة أو معانيها ، فإنه لا يعدو حالة من حالتين : إما أن يتعلق على الألفاظ وأوزان الكلام في اللسان ويمضي في مثل نظم القرآن ، فينظر في الحرف بين الحرفين ملاءمة واحتباكا ، وفي الكلمة بين الكلمتين تناسبا واطرادا ، وفي الجملة إزاء الجملة وضعا وتعليقا ، ويمر ذلك حتى يخرج من السورة ، وهذه أسوأ الحالين أثرا عليه وأشدها إزراء به وأبلغها فصيحة له ، لأنها تنادي على كلامه بالصنعة ، وتدل في مقاطعه على مواضع الكلام والفتور ، وتومئ في نظامه إلى عثرات الطبع إذ يعمل على السّخرة ويأخذ بالمحاكاة دون أن يذهب في البيان على سجيته ، ويمضي في أسلوبه الذي يتعلق بمزاجه وأحواله النفسية « 1 » . وهذا مع ضيق الكلمات القليلة أن تسع شيئا من المحسّنات أو تستوفي وجها من وجوهها ، ومع أن المقابلة بين الأصل والمعارضة ستؤدي إلى البحث في سرّ النظم وطريقة التأليف من الجملة إلى الكلمة إلى الحرف ، وهو مذهب استبد به نظم القرآن - كما ستعرفه - حتى كأنه استوفى من اللغة كل ما يمكن أن يتهيأ منه ؛ فإما ألفاظه بأعيانها وأجراس حروفها إذا أريد مثل

--> كتابه اسما مخالفا لما سمّى العرب كلامهم على الجملة والتفصيل : سمّى جملته قرآنا كما سموا ديوانا ، وبعضه سورة كقصيدة ، وبعضه آيات كالبيت ، وآخرها فاصلة كقافية - ا ه - . ولا ندري ما وجه هذه المقابلة ، وليس من شبه في كل ما ذكره لا في الوضع ولا في الموضوع ، إلا أن يكون الجاحظ مأخوذا بقول العرب إنه شعر ، يحسب ذلك من عندهم وأنهم يحققونه فأراد أن يدل على أن الأمر بالخلاف حتى في التسمية . وليس ذلك من الشأن والمنزلة في خلاف ولا موافقة . على أن هذه التسمية اختراع لم يكن يعرفه العرب ، فهي من هذه الجهة دليل من الأدلة الكثيرة على أن الأمر بجملته فوق القوة والطاقة ومن وراء المألوف . ( 1 ) لهذا المعنى شرح طويل ، وسنلم به في موضعين من هذا الجزء . ثم نمسك عن بسطه إلى موضعه من كتابنا ( تاريخ آداب العرب ) في باب الإنشاء إن شاء اللّه .