مصطفى صادق الرافعي

135

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

يصير الأمر بعد ذلك إلى مقدار التأثير الذي يكون لكلامه ، وإلى مبلغه في نفوس القوم ؛ من تأثير الكلام الذي يعارضه . ومذهب الحيلة على التأثير مذهب واسع لا يضيق بالبلغاء كلهم إذا هم تكافئوا في الصناعة والبصر بأسبابها ؛ لأن كل واحد منهم ينتحي بكلامه جهة من جهات النفس ، ويأخذ في سبيل من طباعها وعاداتها ، وهو لا بد واجد في كلام غيره موضع فترة من الطبع أو غفلة من النفس ، أو أثرا من الاستكراه يبعث عليه باعث من أمور كثيرة تعتري البلغاء في صناعتهم ، فيضطرب لها بعض كلامهم ، ويضعف بعض معانيهم ، ويقع التفاوت في الأسلوب الواحد ضعفا وقوة . فإذا هو أصاب ذلك فعسى أن يقابله من نفسه بطبع قوي ونفس مجتمعة ، ووزن راجح ، أو شيء من أشباهها ، فيكون قد ظفر بمدخل يسلك منه إلى المعارضة ، ويظهر به فضل كلام على كلام ، ومقدار طبع من طبع ، وقوة نفس من نفس ، ولولا ذلك وأنه من طباع البلغاء ؛ ومما لا يسلم منه ذو طبع ، لما أمكن أن يتناقض شاعران أو يتساجل راجزان ، أو يتراسل كاتبان ، أو يتقارض خطيبان ، أو يواجه كلام كلاما في معرض المقابلة ، أو يرجح به في ميزان المعادلة . فإما أن يكون الكلام الذي يقصد إليه بالمعارضة كهذا القرآن : أحكم دقيقه وجليله ، وامتنع كثيرة وقليله ، وأخذ منافذ الصنعة كلها ، واستبرأ المعنى الذي هو فيه إلى غايته ، وقطع على صاحبه أمر الخيار في الوجه الذي يعارضه منه ، وكان من وراء ذلك بابا واحدا في امتناعه ، لا موضع فيه للتصفح ، ولا مغمز للثقاف ، ولا مورد للمقالة ؛ وقد توثقت علائقه ، وترادفت حقائقه ، وتواردت على ذلك دقائقه : ثم كانت جملته قد أحرزت عناصر الفطرة البيانية وجمعت فنونها ، واحتوت من الكمال الفني ما كان إحساسا صرفا في نفوس أهله ، يشعرون به وجدانا ، ولا يقدرون على إظهاره بيانا - فلذلك مما لا سبيل للنفس إلى المكابرة فيه بحال من الأحوال ، أو ابتغائه بالمعارضة ومطاولته بالقدرة على مثله ، إذ هو بطبيعته المعجزة لا ترى فيه النفس إلا مثالا للعلم تعرف به مقدار ما انتهت إليه من إحكام العمل . وهذا هو سبيل آثار النوابغ الملهمين الذين انفرد كل منهم بحيزه من الفن ؛ فإن المعجز من هذه الآثار - إذا بلغ أن يتجوّز في العبارة عنه بهذا الوصف - لا يكون إعجازه إلا على قدر ما يحتوي من كمال الفطرة الفنية ، فتتمثل أنت منه ما كان في النفس إحساسا صرفا ، وأملا محضا ، ثم يتصفحه من يريد معارضته فيراه بعينه ماثلا مصورا حتى لا يشك في إمكانه ومطاوعته ، ويبتغيه حين يبتغيه فإذا هو قد عاد في نفسه إحساسا وأملا لا سبيل عليهما للقدرة الفنية . وهذا هو معنى العجز ، وذلك هو معنى الإعجاز ، ولا يزال يتفق منه في أعمال